mercredi 6 juillet 2016

التلفزة بالمغرب: تعثر التحديث والدمقرطة: غواية المُدنّس وخوْفُ « المقدس ».

عن التلفزيون المغربي.
يشكو الرأي العام النشيط على المستوى الإعلامي غير المتلفز بل الإذاعي والصحفي والمعبر عنه على مستوى شبكات الواصل الإجتماعي خاصة، يشتكي من عدم ملائمة الوظيفية العامة للتلفزيون المغربي طيلة السنة. يتفاقم ويشتد هذا الإدعاء مع شهر رمضان.
في رمضان يبلغ الإنتاج الوطني التلفزيوني قمته في كل صنوفه الدرامي والترفيهي منه على وجه التحديد. يبدو الأمر وكأن وراء القرار مبدأ أن هذا الشهر متعب ومرهق وبالتالي فهو أقرب غلى عطلة غير معلنة لذا وجب الترفيه عن الناس وجعله أكثر استرخاء وابتعادا عن تعقيد اليومي المفكر فيه.
على القنوات التلفزيونية الثلاثة الرئيسية بالمغرب وهي: الأولى، 2M، Medi 1 TV لاسلطة، إلا للإنتجات الترفيهية والدرامية وخاصة في وقت الذروة
الذي لا يتحقق له طيلة السنة مثيل إلا في ظروف استثنائية جدا: مسلسل كوميدي، ثم سلسلة فكاهية، فسكيتش يسمى كاميرا خفية، ثم سيتكوم فكاهي، فمسلسل درامي، ثم كبسولات للتسلية، ثم سلسلة كوميدية، ففيلم تلفزيوني ... ثم الإعادات ...
الأهم هو بين هذه وتلك حصص دسمة طويلة عريضة متكررة من الإشهارات الراقصة الصارخة الثرثارة الملونة والإيقاعية التي تتقدم وتختتم وتتخلل كل البرامج إلا: الخطابات الملكية ونشرات الأخبار وحصص القرآن الكريم.
بين إنتاجات ذكية ومبدعة وإن: بالنقل الحاذق وبالتكرار المغلف بمهارة الممارسة واستثمار ماكر لغياب المنافسة (سلوى والزبير، الحبيب وكبور،  
مواضعة أولى: التلفزة أداة بناءٍ وصيانة وتحسين الوعْي المُواطن وفي ذلك مصلحة لاستمرارية الدولة والمجتمع بأنجع الطرق.
لايمكن تناول المنتوج التلفزيوني بالتحليل والنقد الرصين والدال دون استحضار المُعطى التالي:
يحظى التلفزيون كأداة إعلامية (وهي كذلك بالمعنى السياسي والسوسيولوجي عمومية كانت أو خصوصية) بامتياز فريد هو تأشيرة دخول الملايين من بيوت المواطنين طيلة حياتهم. إنها سلطة التأثير على الحياة العامة والخاصة للمواطنين من خلال التدخل المباشر وغير المباشر في تربيتهم وتنشئتهم وإعادتهما باستمرار.
يتم هذا التأثير بواسطة صيغة ومضامين كل مواد وبرامج التلفزيون، الدرامية والإخبارية والوثائقية والترفيهية، مع اختلافات سياقات البرمجة والتقديم والتنشيط والدعاية.
تنهض التلفزة، إلى جانب الأسرة والمؤسسات التعليمية وهيئات التأطير الثقافي والرياضي والفن والسياسي المدنية والعسكرية وغيرها، بمهمة التنشئة الإجتماعية بالمعنى الواسع للكلمة.
إلا أن التلفزة تعتبر، عبر العالم، أكثر قدرة على التأثير من كل هذه المؤسسات نظرا لما تتمتع به من جاذبية بصرية ومؤثرات تقنية صوتية وجمالية تشكيلية وبشرية مغرية.
يعني ذلك أن التلفزة، وهذه حقيقة سوسيو-إعلامية، أنجع الأدوات في يد الدولة لتحقيق الأساسي (أو للابتعاد عنه) من قيامها والغايات التي تسعى لبلوغها وهي: تدبير وتسيير الشأن العام باعتبارها حكمٌ عادلٌ  في حد مقبول، ومقنن الوظيفة والدور بالتشريع المُتوافَقِ عليه، ضمانا للسلم وللأمن وللحرية، وتجنبا لفوضى وعنف تطبيق قانون الغاب: البقاء للأقوى. ولكي تقوم الدولة بدورها هذا فهي، ووفقا للتشريع وللقانون الذي ينظمها وتسهر على احترامه وتطبيقه، تحتكر وسائل وأدوات العنف والقوة والثروة، ولكن لغاية سامية ونبيلة هي خدمة الغايات التي من أجلها وجدت تاريخيا وهي، مرة أخرى رعاية وحماية "الشأن العام".
ليست التلفزة إذا مجرد تسلية ولا لهو لا ترفيه بالمعنى الساذج للكلمتين، بل هي بنية وآلة استراتيجية في يد الدولة للقيام بمهامها السياسية، وذلك من خلال الثلاثية الكلاسيكية والمعروفة عن وظائف التلفزيون وهي الإخبار والترفيه والتثقيف. 

التلفزَيون مُؤشر تعثُّر التَّحديث والدَّمَقْرَطَةِ.

كل تحديث للمجتمع يستدعي تحديثا موازيا، ربما سابقا، للدولة ذاتها لرافعة لهذا التحديث. إلا أن التحديث باعتباره تجديد وتقوية وتعميم لخدمة أنجع للشأن العام وطرق تدبيره وتسييره تتضمن بالبديهة تحسينا لحياة الناس بالملموس على قاعدة تحسين البنيات التنظيمية والتدبيرية للدولة كي تتماشى والرفع من جودة حياة الناس اليومية بالملموس. فهل يمكن اعتبار تحسين بنيات الدولة وتأزيم جودة حياة الناس في اليومي نجاح للدولة في الوفاء بتعاقدها الضامن لمصداقية وظيفيتها في المجتمع.  ووفاء بالتزامها الشرعي والمشروع تجاه من أرسى دعائمها وفوض للقائمين عليها وسائل ممارسة التدبير والتسيير والتحكيم والتنظيم القانوني للخيرات وللناس؟
ليس المواطنون، إذا اعتبرناهم كذلك أي أشخاص ذوي كرامة ووعي وإرادة وعقل، مجرد حيوانات بيولوجية الحاجات. إنهم أكثر من ذلك، فهم كائنات ثقافية لا تكتفي بالأكل والتكاثر والنوم. إن المواطنين كائنات ثقافية ترتاح لتغذية العقل والروح انطلاقا من تمثُّلٍ للقيم النبيلة والسامية (الحق والسعادة والخير والعدل والجمال ... ) في ما ينتجه الإنسان من خيرات لامادية. هذه القيم هي ضامنة الاستمرارية ومانحة المعنى لوجود الإنسان المتفرد.
ينتج الإنسان الثروات اللامادية، كما الثروات المادية، انطلاقا من تفكيره في الوجود وتأمله في ذاته وفي المخلوقات وفي الخلق لاستطلاع إماكانت عيش أفضل وبوسائل أحسن له وللبيئة وللآخرين يحترم فيها الماضي ويستثمره، ويركز عل الحاضر ويدبره، ويستكشف ويستلهم المستقبل ويخطط له. وهو يقوم بذلك عبر الفكر وعبر العلوم وعبر الفنون متكاملة ومتقاطعة ومتداخلة في بنية محكمة لا تجزيء لها ولا تبخيس لأي من عناصرها لأن في ذلك تقطيع وبتر لأساس الحضارة ولسمو تركيبية الإنسان. من هنا كانت كل أدواة الإنتاج والتوزيع والإذاعة لهذه الثروات اللامادية لا تقل أهمية، ولربما هي أخطر في تحقيق الغايات من قيام الدولة وظهور المجتمع بمعناه الحديث والثقافي والحضاري وليس بمعناه الحشدي والطبيعي.  
بين الوظيفية النبيلة للدولة إذن وبين حضارية المجتمع الثقافي ينتصب التلفزيون كأقوى أداة تمكلها الدولة بشكل أو بآخر: فهل نصدق أن التلفزة التي تحيي الأعياد، وتواكب أنشطة رؤساء الدول، وتتابع الدخول السياسي والمدرسي والجامعي، التلفزة التي تؤذن للصلوات وتقدم دروس الوعظ والإرشاد، والتي تخبر بالأحداث الوطنية والدولية، والمحلية والجهوية، التلفزة التي تصدر البيانات وترد على القرارات السياسية والاقتصادية تثمينا أو إدانة، التلفزة التي تنقل الخطابات وتفسح المجال للتبريرات والتفسيرات عن القرارات، وتقدم الحصيلات والمناقشات، التلفزة التي تقيم المناقشات فيما يهم الرأي العام من قضايا الدين والدنيا وتتابع الحرائق والفيضانات، هل نعتبر هذه التلفزة مجرد نافذة للتسلية للترفيه وللإخبار المحايد؟
حتى في الدول التي تم فيها تحرير قوي، لا أقول تحرير كامل فالأمر ضرب من الخيال، للحقل السمعي البصري الإعلامي تظل التلفزة، كأقوى وأخطر وأكثر الأدوات تأثيرا وتكلفة ونجاعة، "مملوكة" للدولة استراتيجيا فكيف سيكون حال التلفزة في الدول الأقل ديموقراطية ولا مجال لطرح التئاؤل بصدد الدول الديكتاتورية بالتخلف أو بديكتاتورية الغصب ولو كانت في خدمة تنمية قوية للبلاد دون حريات العباد؟
عندما يعكس التلفزيون ديموقراطية أقل من تلك المُعلنة بصم آذانه عن الرأي المخالف وبالإغراق من المألوف والمعتاد،
وعندما يعكس التلفزيون صورة ضبابية وربما مناقضة للقيم المتضمنة في الخطابات الرسمية،
وعندما يعكس التلفزيون دوْسًا لجماليات الصدق والتناغم والجودة التي يحتاجها البلد في خدمة تحديث ودمقرطة لا غنى عنها في مواجهة مظاهر ومؤشرات هي نتيجة مباشرة للقبح الذي يغلف اليومي نتيجة إفلاس التأطير والتوجيه والتعليم والتنشئة المادية والميكانيكية المقاصد والأهداف والغايات،
عندها ماذا يمكن للناقد وللمثقف وللمتتبع، بل وللمواطن اليقظ أن يستنتج؟ ماذا عليه أن يقول ويفعل؟
عندما يعكس التلفزيون ندرة وقلة البرامج الثقافية وبرامج الحوار المباشر من جهة، وقلة وضعف السلسلات والمسلسلات والأفلام التلفزيونية من جهة ثانية، يتهم النقاد والصحافيون والمهتمون من المواطنين، من مختلف الأعمار والفئات الاجتماعية، يتهمون الدراما التلفزيونية المغربية بالتركيز على المُنمّط المُستنسخ من « قارعة الرصيف »، أي المنقول من اليومي المبتذل والمألوف بل الإعتيادي، بغير جمالية ولا تمثُّل لمشروع المجتمع المُستقبلي المتنوِّر في برمجة التلفزة المغربية.
يصل الأمر لدى بعض النقاد والدارسين، بل ولدى مسؤوؤلين ومنتخبين برلمانيين، حد اتهام التلفزة الوطنية بمعاكسة مسيرة البناء التحديثي الذي تتبناه الدولة منذ أكثر من عقد ونصف من الزمن.
فهل من الممكن تصور « إنفلات أمني » بهذه الأهمية من مؤسسات دولة ظهرت دائما بمظر الممسك بناصية الرأي العام و« تطويعه »؟
مقابل ذلك تُسجِّل « أرقام » هيئة قياس المتابعة إقبالا معقولا عادة وقويا جدا أحيانا كثيرة، لهذه الأعمال « المرفوضة » من طرف عموم الجماهير المشاهدة للتلفزة الوطنية بكل مكوناتها سواء تلك التابعة للشركة الوطنية للاذاعة والتلفزة او تلك التي تنتجها وتبثها قناتا ميدي1 تيفي و2M لكن:
علينا أن نسجل بأن كل التلفزة المغربية في تنوع تسييرها وتدبيرها لا تخضع للقوانين الزطنية فقط، بل تخضع لقوانين دفاتر التحملات وعروض « صفقات » المشاريع التي تنظمها القوانين التي أرستها الحكومة الحالية والتي أعلنت أنها سنتها للرفع من مستوى التلفزة الوطنية وملائمتها أكثر مع ثقافة البلد و « خصوصياته ».

بين التطور « الكمي » والنقد « اللاذع » ما عمق الإشكال في انتظار البنيوي؟

بين النقد اللاذع سياسيا و »دعائيا » من جهة، وبين الإنطباعية التي غالبا ما لا تكون مُبرِّرَةً لما تدّعِيه من جهة ثانية، وبين الإقبال الكبير للجماهير على هذه الدراما حسب دراسات قياس المتابعة من جهة ثالثة على الرغم من كونها دراما « مُدانةٌ » أخلاقيا بالخصوص وجماليّا بالمعنى البنيوي نادرا، بين هذا وذاك إذن يُطرح إشكال المَعايير: معايير قبول المشاريع مكتوبة على الورق وإعادة قبول مثيلاتها من جهة، ومعايير الحكم وإعادة الحكم عليها مبثوثة على الشاشة، في بلد يمُرُّ بمرحلة انتقالية صعبة وإن بدت الدولة مُمْسكة بحزم وبذكاء وخبرة بناصية التغيير الوئيد الرصين والمُكَلِّفِ على أكثر من صعيد في نفس الآن.
ينبغي، وعلى الرغم من شدة الخلاف حول الجودة ومعقولية الكم الإعتراف بأن الدراما التلفزيونية الوطنية قطعت أشواطا كبرى من التطور إنتاجا وتقنيات وبثا كما على وجه الخصوص إذا أخذنا بعين الإعتبار انتقال البث من ساعات معدودات كما كان منذ أكثر من عقدين وينيف إلى الاستمرارية دون انقطاع على مدار اليوم ?

لا نرى أكثر من الأسئلة نجاعة في تجنب التبرير والمنمط من الرفض:

لماذا يقف النقد التلفزي (هل هناك نقد تلفزي مستقل وعميق بأدواته خارج النقد الجمالي البصري؟) في مستوى الانطباعية، بل وينحدر غالبا إلى مستوى الأحكام الذاتية غير المُبرَّرة ولا المبنية على تفكيك رصين للعمل ذاته. لا يتم هذا التفكيك للعمل الفني إلا في بنياته البصرية وفي « ترصيصها » لمضامين يدَّعِي هذا النقد أنها رديئة.
ما الفرق بين المتابعة الصحافية الرصينة والنقد المتمكن من نفس وأدوات جمالية
هل يكفي الحديث تبريرا عن ظروف العمل وجشع المنتجين الذين وهبتهم الترتيبات القانونية لعروض الاثمان فرصة حياتهم لسيادة مستوى الرصيف في هذه الاعمال?
ما المسلك نحو جودة تزاوج  بين وُلوجية الذوق العام المُستسلم لابتذالية اليومي الُمعتاد حد القرف واستساغة « لاكريموجين » المجاني، وبين نُخبوية الإبداع المُعيد لصياغة الواقع في محراب المُدهش الفاتن ببنيته التي لا تخظر على بال ليس بجدتها فحسب، بل وبانسجامها وتناغم مكوناتها وشجاعتها في استبدال السهل والجاهز والمألوف، بالتجريبي والمُسْتكشِف لآفاق لم تُخْتبَر ولم تُجرَّبُ بمنطق المُتكلِّس?
هل يتوفر هذا المسلك في تدخل الدولة من خلال رصِّ وصيانة وحماية معايير اشتغال لجان اختيار الأعمال (أمام مدّ احتلالها بمعايير الأكثر حضور شعبوي وبالأكثر تبعية لهيئات تُقرر وبالأكثر رياءً وإثارة للانتباه في الساحة ولو بالصخب الفارغ وإثارات الرصيف) أم هو متوفر في رقابةٌ ديكتاتوريّةٌ لحمايةِ بناء أمة وإنقاذ أجيال، تعاني ما تعانيه سلفا، من براثن نماذج صفيقة فارغة بل خطيرة النمذجة والمثال بانتهازيتها وبخوائها وعدم قدرتها على تقمص قيم المنافسة الكونية وصفائها.

يرى البعض أن الحل في هذا السياق في هذا الوضع وفي هذه الحالة يكمن في تبني العبارة التالية: لتذهب ديموقراطية الضعف المُقوْلِبة للخاص من المصالح ولمجازاة الانبطاح والسُخرة، أو لاسكات الشتم والقذف والسبّ إلى الجحيم.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

Merci de nous dire ce que vous en pensez.