mardi 29 juillet 2014

عن التلفزيون والأمن الثقافي بمناسبة رمضان. إدريس القري

يتبين الآن، ومرة أخرى، أن أزمة التلفزيون بالمغرب أزمة هيكلية مردها لمجتمع متأزم من حيث قيم الحياة الجماعية وانغراسها في النسيج الإجتماعي، من خلال منظومة التربية الأسرية ومؤسسة التعليم بشقيه العمومي والخاص والتنشئة الاجتماعية. يرتبط الأمر(بالإضافة إلى التأثير النسبي لمسار العولمة ونشرها القوي للقيم المادية عبر وسائل الاتصال الجماهيرية من تلفزة الأقمار الاصطناعية وشبكة الإنترنت عامة وشبكات التواصل الاجتماعي على وجه الخصوص) بسياسات ارتكبت خطأ جسيما لأكثر من ثلاثة عقود أبعدت فيها أية تنمية ثقافية وفنية عن مخططات العصرنة والتحديث التي التزمت بشكل لصيق بالتنمية المجالية، تحت توجيه استراتيجي شكل الهاجس الأمني
مركزه القوي والاستراتيجي. هكذا تم حرمان أكثر من جيلين من أية تربية مدنية ذات أسس ذوقية وقيمية إنسانية النزوع وحداثية الأبعاد.
تقضي هذه الأجيال اليوم أيامها، )بعدما نشأت في نفس فضاء جاف جماليا( ، في بيوت وأحياء ومدن تفتقر لكل ما له صلة حقيقية بالحياة العصرية المتحضرة: فلا وجود في مجالها للحدائق ولا للقاعات السينما ولا لقاعات المسرح ولا للمكتبات ولا لقاعات المعارض الفنية. فضاءاتهم من شوارع وحدائق وساحات، لا منحوتات تزينها ولا انسجام معماري يبهج شوارعها ولا متاحف تشد زائريها وتصل حاضر شبابها بماضي سابقيهم. أصوات شعرائم وقصاصيهم ومسرحييهم بل وحتى حكواتييهم التقليديين وسينمائييهم محبوسة في علب وذكريات وكتب أسيرة منع يطالها في الفضاءات العمومية اللهم من انفلاتات شهرية أو أسبوعية على هذه القناة أو تلك، أو على أعمدة هذه الجريدة أو تلك وبالمناسبات حيث لا أحد غير الشغوفين يردون البال لما يحكيه "المتفلسفون".
هذه الأجيال التي نشأت عل هذا المنوال، تحتل اليوم "عنق" المجتمع، فهي تشغل فضاء المسؤوليات والتأطير في الجمعيات والأسرة ومؤسسات التعليم والأحزاب وجل المؤسسات العمومية والخاصة ومنها وسائل الإعلام والإنتاج الثقافي والفني ومنها الإذاعات والتلفزيون المغربييان فما الدور الذي تنهض به وما نتيجة اشتغالها على الواجهة الإعلامية والتلفزيونية منها على وجه الخصوص؟ 
كتبنا لسنوات عن التلفزيون ووظيفته التربوية والتثقيفية والترفيهية والإخبارية بالمغرب، وقد انتهينا دائما من نظرتنا النقدية إلى القول بضرورة المراجعة الجذرية لوظيفته بهذا البلد، حتى يساير حيوية إستراتيجية الاشتغال الحثيث على البنيات التحتية للبلد، التي تقودها المؤسسة الملكية ولا زال يتسع مجال فعلها على امتداد التراب الوطني بفعالية استراتيجية قوية التأثير رغم ما يبدو من محدودية على مستوى تاثيرها الآني.
والواقع أن طرحنا المستمر لمعضلة التلفزيون بالمغرب، تأسس دائما على اعتباره رافعة لا مندوحة عن مواكبتها للبناء التحديثي الستراتيجي التحتي الحالي. وقد قمنا بذلك دائما ونحن مقتنعون بأن سلبية هذا التلفزيون، وابتعاده لمدة طويلة عن لعب دور ايجابي إعلاميا وتثقيفيا وتربويا في المجتمع، وخاصة من خلال الترفيه والتسلية وموادها القوية التأثير على الأطفال والشباب العاجزة تربيتهم وتعليمهم عن زرع العقل النقدي فيهم - قد يحوله إلى «عدو» خطير منخرط في مسلسل تهديمي مضاد لكل ما يمكن أن تبنيه الدولة والأسرة والمدرسة والحزب والنقابة... من قيم للمواطنة، مواطنة لا تستقيم دون قيم الواجب والمسؤولية والشجاعة واحترام الحق في الاختلاف والوعي بالانتماء للمجال العمومي، وذلك على الرغم من ضعف آليات اشتغال هذه المؤسسات ووهن تأثيرها على المواطنين، لأسباب منها العمل السلبي للتلفزيون ذاته.
تظل مناسبة شهر رمضان المبارك، من جهة أخرى، من المناسبات الأكثر دلالة على نجاعة العمل التلفزيوني من حيث التنوع والجودة وطبيعة الوظائف الثقافية والتربوية والإعلامية التي يؤديها في المجتمع. كما أن مناسبة رمضان، التي تعرف أكثف استهلاك لبرامج التلفزيون، تعتبر معيارا، من بين معايير أخرى، لقياس القيمة الوظيفية لهذا التلفزيون سواء بالنسبة إلى القائمين على تنفيذ وترجمة التوجيهات الإستراتيجية المتعلقة باشتغاله، أو بالنسبة إلى واضعي هذه الإستراتيجيات وطبيعة اختياراتهم لوظيفته في المجتمع من المنظور السياسي العام. وبغض النظر عن هذا الجانب، فإننا نعتقد بأن الأعمال التلفزيونية لرمضان السنوات التي اقترنت بظهور ما يسمى بالسيتكوم بالمغرب (تحدثنا عن هذا الأمر بتحليل مفصل في كتابنا: «صورة المجتمع المغربي في وسائل الإعلام الوطنية»، دار النشر المدارس، يناير 2008.) شكلت إساءة متزايدة للمغاربة، واستفزازا اكتسى طابع التحدي للمشاعر وللأذواق السليمة في حدودها العادية. 
نحن لا نناقش النوايا ولكننا نناقش انعدام الاحترافية من جهة والاستخفاف الذي يتم به التعامل مع الاخفاقات والتجاوزات والرداءة تحت ذريعة تأويل أرقام نسب المتابعة التي تظل قابلة للنقاش من الأساس، علما بأن أزمة المجتمع ومقتضيات بناء المشروع المجتمعي تستدعي بالضرورة (وبالنظر إلى تجارب حتى الدول الحداثية ذاتها التي تجعل من درجة أدنى من الجودة استراتيجية تحميها الدولة،  على أساس احتساب الاقتصاد الثقافي والفني ضمن الانتاج الوطني العام من جهة، وضمن محصنات الوحدة الوطنية على المدى البعيد في إظار التنافس الاستراتيجي الحقيقي والمصيري بين الأمم وهو صراع التفوق الثقافي إبداعا وتجديديا وتحديثا وابتكارا) تدخلا استراتيجيا للدولة عبر مؤسسات ديموقراطية لها سلطة حماية الثقافة والوطنية والقيم الكونية من أي تهديد يمس التوازن الحقيقي للمجتمع إلى جانب التوازن الأمني وبتواز معه.
نعتقد أن مبرر هذا الرأي القوي يتمثل فيما يلي:
أن التلفزيون المغربي يرسم للناس صورة غير لائقة البتة ولا هي منسجمة مع روح الدلالة الثقافية والروحية ولا حتى الاجتماعية لهذا الشهر الفضيل - وعن الصيام بالتالي. فرمضان في التلفزيون ومن خلال البرامج المخصصة له شهر « صعبا ومُتعب »، لذا هناك نوع من شرعنة الحق في الاهتمام المبالغ فيه بالأكل ثم الأكل – الإشهار الغزير عددا والرديء فنيا المصاحب للإفطار – والضحك على أي شيء أو لاشيء – اللافن (أو العفن): حيث التفاهة والرداءة تحت يافطة التسلية (التسلية لماذا؟ هل هناك تعب من إنجاز حقيقي ونتائج تفوق محلي أو قاري أو عالمي؟) وذلك في الوقت الذي نعتقد فيه بأننا أكثر احتياجا، بالنظر إلى مرحلة بناء الإنسان الحداثي الديموقراطي المسؤول والفعال من حيث تصوره للزمان والمكان، أكثر احتياجا للضحك الهادف، المُصحح برفق وبنكتة ذكية لآلاف المظاهر والمعتقدات والسلوكات والعقليات والأذواق والتقليعات، المُعرقلة للتحديث والدمقرطة والتأصيل ببلدنا، ولا نستثني من ذلك «تحديث» الحقل الديني ذاته الذي لا يتم له ذلك، كالتعليم، بمجرد توظيف شباب يتحدثون عن الدين «بكياسة» وهم يرتدون ربطة عنق، في الوقت الذي يكرس فيه التلفزيون وأغلبية منشطيه المنظور التقليدي المنغلق للدين من حيث لا يدرون، ناهيك عن كارثة مدرسي التربية الدينية، الإسلامية، التي تحتاج حوارا وطنيا قويا وصريحا ونقديا دون مواربة.
إن التلفزيون المغربي يروج بقوة، من خلال أغلبية أعماله المعروضة، خلال شهر رمضان بخاصة، لقيم الثقافة التقليدية المقاومة بفعالية لمسلسل التحديث والعصرنة، ويظهر ذلك جليا في الاستعادة الدائمة للغة الشارع و"السوق"، المقترنة باجترار «ممثلين» فاقدين للموهبة (على الأقل فيما يأدونه من أدوار لا تميز فيها في الغالب الأعم) لأجساد مُتكلسة الحركات، وللغات ( الدارجة والفصحى براء مما يكتبون وما ينطقون) عقيمة لا تنفصل عن اليومي في أفقر وأبخس أفكاره ومعانيه وتصوراته ولحظاته، مغرورون وواهمون فاقدون لأخلاق التواضع (إلا المفتعل منه إذ يسمحون لأنفسهم بالغضب عند عدم توفير مظاهر التشريف والترحيب والتعظيم الاحتفالي لبعضهم الذين يؤمنون بنجومية حقيقية يمثلونها على قاعدة تلفزيون يشهدون بضعفه ؟؟) وللحس النقدي الذاتي (لاحظ أن أغلبيتهم الساحقة ترفض النقد بدعوى أنه هدَّام ! يتبادلون المديح بلغة خشبية مقرفة:  ما نراه اليوم في سنة 2014 ولا حاجة على الإطلاق لذكر العناوين إذ هناك قبل أي شيء مشكلة تحديد نوع النتوج الذي يُعرض بين السيتكوم والمسلسل والسلسلة والفيلم التلفزيوني والسكيتش والكاميرا الخفية ..... والتسيب والهذيان "المحشو" برداءة شكل ومضمون قل نظيرها.
وحتى نلخص الكلام في هذا الموضوع نستعير من تراثنا المشرق الحكاية التالية:
يتعلق الأمر بقصة الشاعر العربي الكبير "الحطيئة" مع خليفة المسلمين عمر بن الخطاب: فقد أدخل الخليفة الشاعر الكبير والموهوب – وهو على الأقل شاعر كبير حقا – الحطيئة للسجن عله يكف عن هجوه القاسي والتحقيري للناس. استطاع الشاعر بعد مدة الحصول على حريته بعد تأثيره على الخليفة بالشعر أيضا، إلا أن الخليفة قرن حرية الشاعر بقبوله شراء الخليفة لأعراض الناس منه، فهلا تفضل أهل الحل والعقد القائمون على السياسة الإعلامية ببلدنا بشراء سلامة أذواق وثقافة وقيم أجيالنا الصاعدة من أشباه الفنانات و الفنانين والكاتبات والكتاب، ومن يؤطرهم ويؤشر على أعمالهم فاسحا لها الطريق إلى بيوت الملايين من المغاربة وهم في كامل تجمعهم الأسري، وذلك بايجاد حل جذري وملائم للإعلام على العموم؟ وإلا ….. فاللهم مُستورد يتحدى أجيالنا بجودته، ولا مَحلِّيٌ يحتقر ذكاء المغاربة برداءته. 

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

Merci de nous dire ce que vous en pensez.