mercredi 2 juillet 2014

التعبير والتلقي في الفوتوغرافيا: استهلال في "التفكير البصري". إدريس القري.


"يتوقف كل مسار حياتنا على حواسنا، ومن بينها البصر الذي هو الأكثر كونية ونبلا.
لا شك مطلقا في أن كل الإختراعات التي تهدف الزيادة في قوة هذه الحاسة إنما هي الأكثر نفعا للإنسان". 

    روني ديكارت
على سبيل التقديم.
تشكل الجماليات استكمالا جوهريا للتقنيات ولقيمتها ولملاءمتها الإنسانية. كما أن هذه الجماليات تعتبر صُلب الثقافة بمعناها النبيل الدائم والمُؤسس لدوام الحضارة وإنسانيتها الأصيلة. فالتقنية بطبيعتها عبارة عن سلسلة من التكتيكات والإستراتيجيات و المهارات التي تمكن الإنسان من منح المعنى لتفوقه في السيطرة النسبية على  ظواهر الطبيعة. يتم ذلك صيانةً لاستقراره بل ولاستمراريته ككائن ثقافي يُحوّلُ وسَطه ويتدَخَّلُ فيه عبر إعادة تنظيم مجاله وترتيب مكوناته وأولوياته الزمانية. فامْتلاك التقنية – ليس كأدواة كاملة التصنيع وجاهزة للاستعمال فقط، بل وكمهارات عقلية وإجراءات منهجية تجرد هذا الوجود إلى دوال وخطاطات تكشف عن بنياته السببية، وكمناهج عملية وإجرائية في تنظيم المكان وترتيب
"حلقات" صنوه الزمان ايضا، كما في التفكير المنظم في مواجهة مشكلات الواقع – امتلاك التقنية هذا إذن، يظل في شكله المعزول امتلاكا لا يُفضي إلى البناء الثقافي الرصين والدائم والعملي للوجود الإنساني، وذلك لافتقاره للتَّصُوُرِ الذي يُلائمه ويناغمه مع وسطه الثقافي الذي يواجه، اليوم أكثر من أي وقت مضى، خطر المحو والتلاشي أمام قوة عولمة الثقافات المحلية وتدجين العناصر الأصيلة فيها لمنطق الثقافات الأقوى، انطلاقا من امتلاكها ليس للتكنولوجيا فقط بل وللقيم الجمالية الكونية وأساليب تطبيقها ولمعايير تجسيدها وترويجها التربوي والثقافي على وبواسطة أكثر الحوامل تأثيرا وانتشارا.
في هذا السياق يمكن القول بأن الفنون البصرية عامة، والفوتوغرافيا باعتبارها قاعدة هذه الفنون البصرية التكنولوجية النشأة والمسار، لن تتنفس ثقافاتها وأصالتها وجذورها، ولن تندمج في محيطها الإنساني والحضاري وهي مبتورة من هذا البعد الجمالي. فهو الذي يمنحها امتدادها على مستوى الهوية في بعدها الوطني والقومي والإنساني الذي لا ينفصل عنها بقدر ما يتكامل وإياها ليشكلان معا مفارقة الصراع المتعايش والُمزَوِّد للتطوُّر التعبيري والإبداعي للفوتوغرافيا وللفنون وللثقافات. فإذا كان التفوق والاتقان التقني والتمكن الصناعي الشكلي ذا قيمة عالمية، من حيث الإنجازات الصناعية والعلمية التقنية في الفوتوغرافيا خاصة وفي الفنون البصرية عامة، فإن الامساك بتلابيب التعبيرية الجمالية والوعي بها والقدرة على تجسيم اشكالها وصيغها ورموزها بهذه المهارات التقنية وبهذا التمكن الفني، هذا الإمساك إذن  هو ما يحسم مسألة تمثل التكنولوجيا وجعلها أداة لتطوير الهويات المحلية والإبقاء عليها حية نافعة ومُنافسة ومُسايرة للتطور التقني الذي لا يعني شيئا في نهاية المطاف لوحده مجردا من بعده الثقافي عامة والجمالي على وجه الخصوص. فالتقنية في نهاية المطاف إطار روحه المضامين الجمالية بما تحمله من دلالات ومعاني ثقافية ومعرفية وحضارية محلية وعالمية، تترجم وحدها مسار التاريخ الإنساني وتنير فهم أحواله الراهنة.

1
 في كتابه الغرفة " النَيِّرة"  المتميز بذاتيته الخصبة وبعمقه المتفلسف كما ببعده  التحليلي بل "التأويلي" للصورة الفوتوغرافية من خلال متن مختار من الصور، منها صور  معروفة عالميا في تاريخ  الفوتوغرافيا أنجزها ثلة من كبار الرواد في هذا الفن أمثال "وليام كلاين" و "أندريه كيرتز" و "نادار" إلخ، ومنها المُنْتَقَى من الأرشيف الخاص لهذا المثقف الُمتمرد على كل ما هو مُتكلس وجامد موروث، في هذا الكتاب ذي الموقع الخاص ضمن أهم المراجع الخاصة بالصورة الفوتوغرافية عموما، يقدم "رولان بارث" قراءات مُرَكَّبة للفوتوغرافيا كفن، ولصور فوتوغرافية معينة، باعتبارها فعل إبداعي، ولبعض من مَتْنِهَا الفني العالمي الصيت باعتباره متن يمثل فنا يثير الشهوة والهواجس والقراءة التحليلية "الثقيلة" المفاهيم، بل ويثير حتى ذلك الثاوي في أعماق السريرة، سريرة المبدع الصانع والمبدع "القاريء" على حد سواء، المتمثل في تجربة وجودية خاصة، تلتحم بالتجارب الانسانية الكونية التي تشكل المتخيل الانثروبولوجي العميق والمشترك كما تناوله الانثروبولوجيان "مورسيا إلياد" و"جيلبرت دويرانت" من بعده بشكل أكثر عمقا وملائمة، وذلك بعد المفاهيم التأسيسة التي جاء بها السويسري علم النفس والطبيب "كارل غوستاف يونغ".

2
تمثل الصُور الُمنتقاة في كتاب "الغرفة المنيرة" شيئا آخر غير تلك "اللحظة الحاسمة" التي تحدث عنها الفنان الفوتوغرافي الفرنسي العالمي "هنري كارتييه بروسون". تبدو  هذه اللحظة الحاسمة  لأول وهلة باعتبارها ذلك الجزء الكمي من الزمن الميكانيكي الذي  يضغط فيه المصور على زر فتح "الغرفة المظلمة" للآلة، حيث ينطبع الضوء "المُصْطادُ" بعَين مُتيقِّظة، عين التقطت، عن إحساس أو عن إدراك وشتان ما بين الحالتين، ما أثارها في لحظة اعتبرتها "حاسمة" فضغطت الزر "للقبض" على هذه "اللحظة الحاسمة".  هذا الشيء الآخر، الذي تمثله الصورة المنتقاة في كتاب الغرفة المنيرة، هو ما تُحيل عليه الصورة وما تحمله لكن ليس في عناصرها معزولة عن بعضها، فهي في هذه الحالة لا تُحيل إلى أكثر من ماضٍ أو تاريخٍ أقيمت جنازته وانتهت، ماضٍ يتجسَّدُ في الاصفرار الباهت الذي لحق ورق الصورة، أو في التاريخ الذي تحمله هذه الصورة ولم يعد له ارتباط باليوم أو بالغد، أوفي الملابس القديمة التي يتلفَّعُ بها الأنا - هل لا زالت هذه الذات أناً يتمتع بالحرية وبالكرامة وباعتراف الآخر شرطُ وُجُودِه كما يرى الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلوبونتي  ؟ - الذي في الصورة وقد مضى زمنها وبارت تقليعتها. 
قراءة رولان بارث للصورة الفوتوغرافية في "غرفته المنيرة" قراءةٌ مُتعددة في وحدة، ومختلفة بقدر ما هي مندمجة في سياق العلوم الإنسانية والفلسفة والفنون والفكر الأدبي والسيميولوجي النقدي، لكن، لماذا تعب رولان بارث في إيجاد مدخل لقراءة الصورة الفوتوغرافية لينتهي إلى الإعتراف بصعوبة تحقيق ذلك؟
لنبدأ أولا بالحديث عن ظهور الفوتوغرافيا باعتبارها طريقة عمل رمزية modus operandi، وللنتقل بعد ذلك للحديث عن بعض من خصوصيات الصناعة والتلقي في الفوتوغرافيا الفنية.

شكلت الفوتوغرافيا منذ ظهورها مع الزيارات الأولى "للفضول" الاستعماري، وحتى في بلدان السبق في اختراعها وممارستها مثل فرنسا ثم أمريكا وغيرهما، شكلت مجال بذخ يثير الانبهار لِجِدَّتِه ولعدم توفُّره سوى للمحظوظين، يلهون به و"يزينون" أنواتهم زهوا وافتخارا. لم يدم هذا الوضع طويلا ومسيطرا فسرعان ما تحولت الفوتوغرافيا مع مرور السنين، ومع انتشارها كممارسة في الحياة اليومية، إلى "كتابة" سحرية بالضوء تقاوم الفناء من خلال "توقيف الزمن"، وتخليد اللحظة التي تعني الشيء الكثير بالنسبة للأفراد على اختلاف ثقافاتهم ومستوياتهم.
للاستجابة لهذه الرغبة الإنسانية في "الإفلات" الوهمي بكل تأكيد من براثن الموت، تقوم الفوتوغرافيا، بمبادرة من المُصور الفوتوغرافي، أو "الأوبراتور" operator بتعبير أب السيميائيات الفرنسي "رولان بارث"، تقوم بتجميد لحظات منه ترتبط تارة بأفراح وتارة بمآس وأتراح، لأفراد ثم لشعوب وأمم مع تطور أساليب إذاعتها ونشرها وهو ما أكسبها مع المدة سلطة مؤثرة على مصائر أصحاب أعتى السلط أحيانا. غدت الفوتوغرافيا من جانب مقابل  أحيانا أخرى وإلى درجة التناقض، وسيلةً "لتمجيد" السلطة السياسية والاقتصادية وخدمتها بتلميع صورتها وإعلاء شأنها، لتتحول  الممارسة الفوتوغرافية إلى مجرد أداة دعائية في خدمة المؤسسة ضمن وسائل الإخبار ونشر المعلومة أحيانا، وضمن وسائل التطويع manipulation والانحياز "لصيغة" مُعينة في تقديم هذه المعلومة أحيانا أخرى.
تعمقت هذه المفارقة، مفارقة الفوتوغرافيا مع وضد الحقيقة الإنسانية، بتطور هذه الصنعة وهذا الفن ووضعها التعبيري من جهة، ووظيفيتها الإعلامية من جهة ثانية على مستويين على الأقل:

   أولهما بعدُُ اندماجها في التطور التكنولوجي ومكتسباته التي غيرت من الانجاز التقني للصورة الفوتوغرافية عموما وللممارسة الفوتوغرافية كأساس لكل أشكال التعبير بالصورة بكامل أصنافها.

 وثانيهما بعد وظيفية هذه الصورة الفوتوغرافية التي غدت ذات حضور يومي في كل مجالات الحياة، وعلى كل أشكال الحوامل الخاصة والعامة، والفردية والجماهيرية، ابتداء بالهواتف الشخصية وانتهاء بالشاشات العملاقة المنصوبة على أوسع وأشهر الساحات والشوارع بأكبر وأجمل وأعرق المدن العالمية.

4
اعتبرت الفوتوغرافيا بعد ذلك فنا مستقلا بذاته. فقد غدت قادرة على إعادة تشكيل الواقع تخييليا ومنحه معان ودلالات غير تكل التي هو فيها على الطبيعة، ولا تلك التي هو عليها في عين العامي من الناس الذي لا سريرة ولا حدس الفنان من قدراته. اعتبرت الفوتوغرافيا إذن بعد ذلك فنا  بعد الاعتراف بها في نهاية السبعينيات "كطريقة رمزية للعمل" ، وهو الإعلان الذي ارتبط بالاتجاهات الطليعية في الفن السبعيني بالولايات المتحدة الامريكية وعلى الخصوص بالأوساط النيويوركية. بحيث أصبحت الفوتوغرافيا "فكرة" وموقفا، التزاما وقيما. تم هذا الإعلان أيضا على إثر بداية القراءات الأولى التحليلية النقدية للمنتوج الفوتوغرافي بفرنسا خاصة خلال النصف الثاني من السبعينات حيث طرحت قضايا بعدها السوسيولوجي والفلسفي وعلاقتها بالتشكيل وبالمسرح من حيث طبيعة استرجاعها للواقع ووظيفيتها فيه، ناهيك عن علاقتها المعقدة بالفن وبالإبداع.
ظهرت الفوتوغرافيا كفن، من جهة أخرى خلال السبعينيات والبراغماتية في الفن كما في النقد الفني ضاربة حراستها اللصيقة على ساحة الإنتاج الفني
فن الفوتوغرافيا هذا طاردته مُطالبة الفنون التشكيلية بالولاية عليه لزمن، لكنه اعتبر بعد ذلك، وخاصة مع اندلاع وتوسع الحرب الباردة، وذلك على الرغم من انتشار، غير فعال على كل حال، لتيارات الإنسية والنقد والفن الملتزمين عبر التراب الأوروبي والأمريكي. فقد كانت الإيديولوجيا القوية بخلفية الحرب الباردة تجهض الإنتشار لفعال لهذه التيارات أو تسهل احتوائها: « ففي بلد تسيطر فيه وتسود فكرة فكرة المنفعة، سيكون الناقد المثلي هو الناقد النزيه، بمعنى ذلك الذي تتقارب ميوله ورغباته ما أمكن مع ميولات ورغبات جمهوره" والاستقطاب الإيديولوجي الحاد الذي نتج عنها، شكلا من أشكال التعبير الفني الذي يحمل قضايا الدفاع عن الفقراء والمهمشين ضحايا التمدين والتصنيع، بل وحتى ضحايا التحديث الليبرالي والدمقراطية من جهة، وعنف الحكم الديكتاتوري وتحكمية الاشتراكيات الأوروبية أو العالمثالثية من جهة ثانية. هكذا كادت الفوتوغرافيا أن تعود إلى بعض من أصول الفنون الدينية: ألم يقل الكثير من السوسيولوجيين والأنثروبولوجيون ومؤرخو الفنون بأن الأديان في أبعادها الإحتفالية بالآلهة والتقرب منها أبدعت أشكال الايقاع والملابس والتزيين والغناء تقربا وزلفى لهذه الآلهة طلبا للحماية من ضعف البشر أمام جبروت الطبيعة آنذاك : "كل الفنون خرجت من المعبد"
إن الفوتوغرافيا، من جهة أخرى، فن لم يستطع، مع ذلك، وحتى في أكثر الدول ريادة للتطور العلمي والثقافي والتكنولوجي والاقتصادي، لم يستطع سوى الاشتغال على "تبريز" المظاهر "الجمالية"، للجسد الاستهلاكي الحامل للمزيد من الكسب التجاري لكبريات المشاريع الرائدة في الاقتصاد العالمي(جسد المرأة كحامل إغوائي للترويج التجاري والإقتصادي بكل أشكاله وأنواعه)، الذي لم يلتفت لمظاهر الفقر واندحار الثقافات المحلية (من منظور يقطع مع النظرة الاستصغارية الفولكلورية والغرائبية التي يعيد انتاجها حتى الفوتوغرافيون العالمثالثيين سعيا وراء الاعتراف "العالمي")  إلا مع نهاية منتصف القرن الماضي ومطلع الألفية الثالثة، حيث بلغت العولمة، قبل إعلانها مع اتفاقيات التحرير العالمي للتجارة - والفوتوغرافيا من أدواتها يا للمفارقة - سرعة مخيفة في دحر الفنون وقيمها النبيلة كلما استعملت في الحروب الدعائية السياسية والإيديولوجية والتجارية التي تشيء المرأة وتحيل كل مظاهر الثقافات العريقة والضاربة في  التاريخ إلى مجرد صور نمطية فولكلورية المحتوى واتنوغرافية الصيغة.
بموازاة ذلك تطور الاستعمال الثقافي والفني المستلهم للقيم الانسانية النبيلة والمقاومة لكل أشكال تدمير الجميل والأصيل وتشويهه في الثقافات الإنسانية، تطور هذا الاستعمال في الممارسة الفوتوغرافية العالمية عن وعي من الفوتوغرافيين بالتحام الذوقي بالقيمي، فالتحم بالنقاشات الفكرية والسياسية حول وظيفة الفنون ودورها في تطور الثقافات، وتحسين عيش الإنسان وبناء السلم والعدالة والتسامح والحرية والديموقراطية في المجتمع البشري,هكذا غدت الفوتوغرافيا أداة تواصل فعالة وناجعة انتجت صورا أقامت وأقعدت سلطا مخيفة وحولتها إلى سلط خائفة. هكذا دخلت الفوتوغرافيا مع المنتصف الثاني للقرن العشرين نادي "الصناعات الإبداعية"، فغدت من مطوري "التنوع والتمثيل الديموقراطي وتحقيق العدالة.
  غدت الفوتوغرافيا من المنظور الفلسفي إذن وسيلة وطريقة مختلفة للانفتاح على الآخر، فنحن لا نرى الذات إلا من خلال هذا الآخر الذي يمنحها معنى في الوجود وقيمة وتحررا من فيزياءه ومعماريته الضيقة الخانقة، نحو الفضاء الرحب للثقافة بمعناها الأنثروبولوجي العام، فالآخر ليس في نهاية المطاف سوى آخر الأنا الذي هو أنا وإن لم يكن أناي الخاص والذاتي.
التعريف بهذا الأنا باعتباره طلب للآخر من خلال مد اليد له بما جمعته هذه الذات من تجارب وخبرات لن تكتسب قيمتها إلا من خلال التبادل معه والتشارك وإياه في الحصيلة الحياتية وخبراتها. الفوتوغرافيا هي الوسيلة الأنجع والأقوى لتوسيع دائرة هذا التبادل وهذا البناء لما أسمته الفلسفة بفضاء البين بين حيث تذوب الأنانية ويحضر "النحن"، وشريطة أن لا يكون هذا النحن ذريعة للأقوى لتحويل الأنا الأضعف لعبد للأنا الأقوى، وتلك لعمري واقعية الممارسة الفوتوغرافية المُعَوْلمة لحد الآن.
                     
5
 مما لا شك فيه أن كل تناول لعمل فني بالتحليل أو النقد، بل وحتى بالوصف يمر بمجازفة، بل وبخطر، تشويهه وذلك بإنتاج "نص" آخر مواز له وليس بالضرورة نصا ملائما ومؤهلا لمجاورته. أقصد أن التوازي في الإبداع يكون عندما يكون الهمُّ، هم الذوق والجمال واحدا، والأسلوب والطريقة والتقنيات مختلفة. أما تركيب نص على إبداع تختلف بينهما اللغة والتقنيات والحساسيات التعبيرية، فذلك ما يلزمه "تحصينات تقي من المسخ والتشييء تماما كما يحدث ويشييء الأنا الآخر عندما يركب أنانيته محاولا "تطويع" الغير لعالمه الخاص، ضاربا بذاتية وتميز هذا الغير عرض الحائط، هذا الغير الذي هو  في الواقع "أنا" آخر له تميزه واستقلاليته وكرامته كما سبق الذكر.
لا يمكن تلقي الصورة الفوتوغرافية إلا من خلال الحواس والعين بصفة خاصة، هذا تحصيل حاصل. يمَكِّنُنا هذا الأمر من خُلاصة أولى معروفة ولكنها أساسية: أن التلقي الفني للصورة الفوتوغرافية يتم عبر الجسدي عامة والإحساس بالدرجة الأولى. فخصوصية التعبير الفوتوغرافي تتحدد عبر هذا الأفق بالأساس.
لجأ المنظرون الأوائل، ولا زال الكثيرون من السائرين على خطاهم، للصورة الفوتوغرافية إلى الترسانة المفاهيمية المأخوذة من اللسانيات ومن السيميولوجيا فيما بعد، من أجل هيكلة سيميولوجيا للبصري، والفني منه بصفة خاصة. إلا أن الأمر صادف أن هذه الترسانة المفاهيمية ترتبط جوهريا بدراسة اللغة الأبجدية المزدوجة التجريد. وقد طرح هذا الأمر مشاكل جمة تتعلق بتلاؤُم المفاهيم مع الحقل المخصوص للفنون البصرية وعلى رأسها الفوتوغرافيا بصفة خاصة. يتعلق الأمر بمشكلة نقل المفاهيم من حقل أبجدي تجريدي، إلى حقل تستدعي فيه أسبقية الإحساس والجسدي إبداع جهاز مفاهيمي مختلف، يأخذ بعين الإعتبار هذا التميز.
في هذا السياق يمكن القول بأن مأزق النقل والتحويل النظري لمفاهيم النقد الأدبي، لتشغيلها في تحليل وتلقي وقراءة ونقد "اللغة" البصرية الفوتوغرافية يتضح أكثر كلما كان موضوع القراءة هو الإنتاجات الفنية الإبداعية فلماذا؟
تنهل الأعمال الفنية المبدعة في الفوتوغرافيا عناصرها من المتخيل الثقافي للاشعور الجمعي الذي سنفصل فيه القول لاحقا، لهذا تُعتبر الخلفية (خلفية الصورة ground بالأنجليزية وgrund بالألمانية، بالمعنى البنيوي للخلفية أي ما يمنح مقدمة الصورة روحها ودلالتها لتصبح الخلفية هنا هي البيئة والوسط والسياق والهالة المانحة لأكسجين الحياة) هي الجانب الحيوي والجوهري في الصورة الذي يمنح الموضوع، وهو مقدمة الصورة Figure، هويته ومعناه بل ووجوده في الواقع. ذلك ما يبرر أسبقية الإحساس في الفوتوغرافيا لأن الخلفية تحس ولا تدرك إنها اللاشعور الفوتوغرافي بمعنى ما.
يعني ما سبق أن الفعالية التواصلية للفوتوغرافي لن تتحقق إلا متى اعتمدت على الإيحاء والترميز البصري وليس التجريدي. هذا الترميز يمر بالضرورة عبر قدرته على "إيقاظ" صور ذهنية دالة لدى "المتفرج"، وهي صور تحمل شحنات انفعالية أصيلة وأصلية بما تقترن به من تجارب كونية إنسانية، هي حصيلة قيم جمعية كونية سنتحدث عنها لاحقا تحت عنوان النموذج الأصلي Archétype. ألم يقل الشاعر الفرنسي شارل بودلير عن البورتريه: "يبدو لي البورتريه الجيد دائما كسيرة مُأدْرمة"؟ أي يحمل، أي البورتريه، حكاية درامية
يسبب تلقي هذا الحسي في الصورة الفوتوغرافية خاصة، وفي الفنون البصرية عامة، موجة من الاهتزاز الوجداني الانفعالي تعتري الجسد بمعناه العام أي كيان الذات بكل محمولاته.هذا الاهتزاز ليس إلا نتيجة لوضعية قلق واندهاش، والاندهاش هنا حافز على المعرفة، ومحرك منتج للأسئلة بعد الاهتزاز. وقد تحدث عن هذا الوذع الصعب في هذاه المرحلة من التواصل مع الانتاج المعرفي والتشاؤلات المرتبطة به الفيلسوف المغربي الأندلسي أبو بكر بن طفيل في مؤلفه "حي بن يقظان"، عندما ربط تلقي تلك الحقائق، فوق العقلية، بالحدس الباطني الحميمي الفردي الذي يمنح إمكانية "هتك" الحجب الكثيفة التي تغشى الحقائق غير العقلية.
والواقع أن هذا الاندهاش (أليست الدهشة أصل التفلسف وهو مهد التنظبر الجمالي رغم حذر أفلاطون من الفن وركون أرسطو إلى نظرية التقليد) وهذا القلق هما الطريق إلى التماهي identification، الذي يشد بتلابيب المتفرج.
ينبغي ترك الوقت للجسد كي يدخل عالم التفاعل مع العمل الفني كلما تعلق الأمر بالفنون البصرية عامة وليس بالفوتوغرافيا فقط. ففي هذه الحالة فقط يتمكن الجسد من نسج علاقة حميمية، من خلال بوابة الحسي، مع مكونات الصورة الفوتوغرافية من ألوان، أو تدرجات الرمادي، والزلال والخطوط والأشكال والمنحنيات... وما تصنعه، ضوءا، من "روح" لموضوع الصورة التي صعدت للتو من سريرة المبدع.
إن البحث عن الفهم والتنظير منذ البداية أمام أعمال فنية من هذه الطينة ضلال عن طريق الجمال، جوهر الفن ومبرر وجودهالذي لا يُتَلقَّى إلا في المرقى الأخير للتذوق. في هذا السياق يقول الروائي والفيلسوف المغربي المعاصر عبد الله العروي على لسان شخصية إدريس في روايته "أوراق" عن بلوغ مرتبة تلقي الجمال: « نشاهد الفيلم للمرة الأولى فنندهش، تراه مرة ثانية فنفهم مغزاه، وإذا أتيحت لنا الفرصة لنشاهده مرة ثالثة فإننا نتلذذ به كقصيدة من الشعر".

ليست الفنون والفوتوغرافيا من ضمنها إذن، سوى أساليب تعبير فني لتلاقي الأنا والآخر وتبادل التجارب بينهما، بل هي "أدوات" سامية لبناء العيش المشترك والفضاء المتقاسم بينهما. في هذا السياق سيكون البحث عن ما يوحد الناقد والمبدع ضرب من المستحيل في نظر كانط، وخاصة إذا تعلق الأمر بالمعيار العقلي، يقول الفيلسوف الألماني كانط صاحب "نقد ملكة الحكم" وهو الكتاب المؤسس في الجماليات: « إن البحث عن مبدإ للذوق يوفر معيارا كونيا لما هو جميل بواسطة مفاهيم محددة هو بحث لا طائل من وراءه، ذلك أن ما نبحث عنه مستحيل ومتناقض في حد ذاته. فتبليغ الإحساس بالذوق إنما يتحقق بدون مفهوم (...)فهو يتعلق بالإحساس المعطى في تمثل بعض الموضوعات، فهذا الشعور هو عيار التجربة الحسية، وهو معيار ضعيف بالتأكيد، لا يسمح بإمكانية جعل الذوق، المسنود بعدد من الأمثلة، يرقى إلى مرتبة المبدأ العميق والمشترك بين جميع الناس. » يتبن لنا من هذا النص أن الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط يصدر في قوله بصعوبة بل باستحالة الاتفاق حول معيار في إصدار الحكم الجمالي من اعتبارين اثنين: أولهما أن الأمر يتعلق بحقل معياري تسوده الذاتية، ومن البديهي أن الذاتي حقل لا صلة له بالموضوعي الممكن إخضاعه لمعيار منطقي قابل لحصد الإجماع أو الأغلبية على الأقل. وثانيهما أن مجال الإبداع الفني هو أصلا مجال موسوم بالإختلاف والتنوع ليس من ثقافة إلى أخرى، بل ومن شخص إلى آخر بالنظر إلى اختلاف ظروف وسياقات وخبرات تلقي التجارب الحياتية، وأشكال التعبير عنها وأدوات صياغة هذا التعبير ومستويات واستيعابه. ونحن نعتقد بأن موقف كانط هذا محكوم بالمركزية التي يحتلها العقل كأداة في بناء المعرفة عموما من جهة، وباخضاعه لحقل الفنون لهذا العقل المعماري رغم تسطيره على خصوصية هذا الحقل من جهة ثانية. ومع اعتراف كانط بكونية التجربة الجمالية إلا أنه لم يقدم حلا لمسألة "المعيار"في الحكم على العمل الفني. ذلك ما سنبين أسبابه لاحقا من خلال تناولنا لخصوصية التعبير الفني في تشكيله من جهة وفي تلقيه من جهة ثانية. لقد ظل الفيلسوف كانط حبيس نظرته الذيقة للفنون من هذا الجانب بسبب موقعه المعرفي الذي بقي متوقفا في تطوره عند التناقض. وهو ما سيتجاوزه مواطنه "هيغل" بقانون الدياليكتيك حيث سيحل عقدة هذا التناقض بالتركيب. مشكلة الحكم الجمالي على العمل الفني إذن هي مشكلة كيفية الجمع بين العقل والإحساس: الأول يبني المعيار، والثاني يحمل مادة الحكم على العمل الفني من خلال تذوقه، فكيف الجمع بينهما؟
سنرى لاحقا أن طبيعة العمل الفني – في الفوتوغرافيا التي تهمنا هنا – هي التي ستفرض "تركيبا" (بالصيغة الهيغيلية synthèse) للعقل والإحساس بصيغة أولوية جديدة عنوانها: الإحساس أولا إذن هو بوابة المرئي الفوتوغرافي هنا. فبمنح الأسبقية للإحساس في صناعة وفي تلقي العمل الفوتوغرافي الفني،لا يظهر الفهم والإدراك والتفسير، وبالتالي التحليل والنقد الفكري الرفيع، إلا بعد هذا التلقي الذي "يهتز" له الجسد، والذي تتأسس عليه كل "الرسالة" البصرية وتلقيها. ولا يمكن للقلق والصدمة اللذان يخلقهما هذا الإحساس عند تلقي العمل الفني الفوتوغرافي أن يكونا عقيمين والحالة هذه إلا في حالتين:
أولاهما التواجد أمام عمل فوتوغرافي اعتيادي العمق الإنساني ولا جمالية في أحشاءه إذن،
وثانيهما تواجد العمل الفني أمام ذات متفرجة لا قدرة لها على التواطؤ، بمعنى أن لا تجربة جمالية وفكرية لها (أسيرة المبتذل والمسطح من الإنتاج) قادرة على "إلتقاط إشارات" العمل الفني.
لا تحدث الأشياء في الوجود إلا مرة واحدة ومن المستحيل تكرارها. هل التاريخ يعيد نفسه؟ لا، يقول المؤرخون لكن، ما الذي تفعله الفوتوغرافيا عندما قلنا بأنها تسعى لتخليد لحظات ما من الوجود؟
إنها تسعى لتحقيق المستحيل، بمعنى تكرار "الحدث" واللحظة التي تم "القبض" عليها فوتوغرافيا لكن، مرة أخرى، كيف يتم ذلك وهل يتم في الواقع الفيزيائي الذي تقول قوانينه الفيزيائية التقليدية بأنه مستحيل التراجع أو التوقف؟
تحقق الفوتوغرافيا هذا المستحيل لكن ليس في الواقع الفيزيائي، بل في واقع آخر هو واقع الذاكرة ومخزونها الذهني من الصور الذي يسمح، باضفاء المعنى والدلالة الوجدانية والاجتماعية والثقافية على ما تراه العين من "ضوء" متعدد الموجات ومتنوع الدرجات على الشاشات أو على الورق الحساس للضوء.


6
لننتقل إلى الجماليات ونتساءل: ما الجمال في الفوتوغرافيا وكيف نحدده بل من أين نبدأ؟ هل من الممكن التطرق لجمالية الصورة الفوتوغرافية دون البدأ بالمفهوم فلسفيا؟ ثم ما تعريف الجمال في الفلسفة وهل هناك تعريف له فيها؟

 يرى بعض المفكرين بصدد الجمال :"ضرورة إبعاد الفلسفة عن موضوعات الجمال. ومن هؤلاء "جان برتليمي" الذي اعتبر الفيلسوف الفرنسي "هنري برجسون"  مسؤولاً عن كل الأخطاء التي ترتبت على الخلط بين الفلسفة وعلم الجمال. حيث قال بأن الخطأ الرئيسي الذي ارتكبه برجسون الذي تتفرع منه الأخطاء الأخرى هو أنه يخلط بين الفلسفة وعلم الجمال أحيانًا.
"الجمال؟ آه.. نعم.. الجمال، من أين يأتي؟ وما الذي يجعله يعيش؟ وما عنصره؟ أفلاطون، أفلوطين... صفة الفكرة تعبر عنها صورة رمزية؟ كما ندركه مختلطًا أم تجميع ارستطالي لأفكار النظام والمقدار، ما أدراني؟
"الجمال؟
أهو المثل الأعلى؟ أهو الحقيقة مستنبطة من مجال الخاص والعابر؟ أم اندماج وتناسق بين مبدئي الوجود: المثال والصورة؟ بين الماهية والحقيقة؟ بين المنظور وغير المنظور؟.
أهو في الحقيقة؟ لكن أي حقيقة؟ حقيقة محاكاة جمال الكائنات والأجسام؟ لكن أي محاكاة؟ محاكاة بالاختيار أم بالتسامي؟ المحاكاة دون تخصيص فردي... حيث الإنسان ليس بإنسان؟ أم المحاكاة طبقًا لنموذج جمعي للكمال؟
أهو جمال أرفع من الجمال الواقعي؟
أهو طبيعة ثانية تضفي عليه صفة الخلود؟
ماذا؟ الجميل؟
أهو موضوعية أم لا نهائية ذاتية؟
أهو التعبيرية التي قال عنها جوته؟
أهو الجانب الفردي الطبيعي الذي تميز به هيرش أولينج؟
أهو كلمة بيكون التي قال فيها إن الإنسان يضيف إلى الطبيعة شيئًا؟ أم هو الطبيعة كما تراها الشخصية فهي ذاتية الإحساس؟
أهو واحد أم متعدد؟ مطلق أم منوع؟
(...)
قال البعض: إن الجميل شقيق الخير، باعتبار أنه يدخل في عملية التكيف بالخير، وبصفته إعدادًا لعلم الأخلاق، وهذا وفاق رأي فيخته: إن الجميل نافع.

ثم لنتأمل هذا النص من كتاب "العلبة النيرة" لرولان بارث:
"علي إذن الاستسلام للقانون التالي: لا يمكنني سبر أغوار الصورة الفوتوغرافية أو التعمق فيها، حيث ليس بمقدوري سوى مسحها بالنظر وكأنها سطح جامد. إنها وبكل معاني الكلمة مسطحة وهذا ما علي تقبله. فبسبب الخطإ حقا وليس بسبب أصلها التقني يتم ربط الصورة الفوتوغرافية بفكرة المعبر المظلم (camera obscura=العلبة السوداء). ما يجب قوله في هذه الحالة هو camera lucida، أي العلبة النيرة، وليس العلبة السوداء (...) ذلك أن جوهر الصورة بصفة عامة، من وجهة نظر زاوية الرؤية ، هو وقوعه بالكامل خارج الصورة ذاتها فيزيائيا، إنه يفتقر للحميمية، ومع ذلك فهو يتمنّعُ كما أنه غامض أكثر من الفكر الأكثر انطوائية، لا معنى لجوهر الصورة هذا ولكنه، في الآن ذاته، يستدعي عمق كل معنى ممكن، خفي لكنه ظاهر مع ذلك. إنه يحظى بالحضور-الغياب الذي يشكل سحر وانبهار جنيات البحر (بلانشو)."

لن يعنينا ما تثيره هذه النصوص  من رغبة في مناقشة تعددها وتنوعها كقراءات تبحث عن مسلك لتناول الجمال ومفاهيمه في ارتباطه بالفن الرفيع ووظيفيته الإنسانية النبيلة. ذلك أننا لا نفرد هذا التحليل لمفهوم الجمال في حد ذاته بقدر ما يتقاطع معه موضوعنا المتعلق بطبيعة الطابع الجمالي للصورة الفوتوغرافية بين الأبجدي والبصري أساسا.
إن مصدر الصعوبات والتعقيدات وسوء الفهم والتواصل والغموض الذي تعبر عنه هذه النصوص، كل من زاوية نظر محددة، يعود مصدرها، فيما نرى إلى تيه التناول خارج الصورة في حد ذاتها وطريقة بنائها وصناعتها التي تفترض بالضرورة تناولا وتلقيا يحترم طريقة البناء والصناعة هاته. فالصورة الفوتوغرافية الفنية ترصيص وليست ترميزا بعد التجريد، وهي كذلك رسم مادي بالسريرة والألوان والأشكال والظلال والخطؤط والمنحنيات، وليست كتابة تجريدية بالمفاهيم والخطاطات والعلاقات المنطقية والتكميمات. إن الصورة الفوتوغرافية تشكيل لمواضيعها ونفخ للروح فيها وليست تنظيرا مفاهيميا لذه المواضيع.
ليس معنى هذا الكلام أن الصورة بعيدة عن هاته العمليات العقلية العليا كما يطلق عليها علماء النفس أصحاب نظريات التعلم، بل المقصود هو ما قلناه ورددناه ودافعنا عليه منذ أكثر من عقدين من الزمن وهو : أسبقية الجسدي والحسي والانفعالي والوجداني في الفنون البصرية، على كل ما هو عقلي تجريدي يتصل بقوة بما هو أبجدي مكتوب برموز اللغة المنطوقة والمكتوبة، لغة "غتنبرغ" Gutenberg، مقابل اشتغال وتشكل الصورة، الفنية منها على وجه التحديد عبر البصري النابع من السريرة ومن بوثقة المحيط والبيئة والوسط والانفعال عبر بوابة الاحساس أولا. من هذا المنطلق نفهم تجنيد الباحث الفذ "رولان بارث" لترسانة فكرية وعلميةمتنوعة - الفينومينولوجيا والسيميائيات على سبيل المثال – في "غرفته المنيرة" ليظل على عطشه مع ذلك عندما يعترف بنوع من الانفلات القاهر للصورة الفوتوغرافية من "جوهره" الذي لا "قراءة" ممكنة لها دون الوصول إليه، غافلا عن أن جزء غير يسير من هذا الاستعصاء يعود لكون الصورة الفوتوغرافية الفنية لا جوهر لها بالمعنى الميتافيزيقي للكلمة إذ المفهوم في حد ذاته زئبقي.
إن الحقيقة النسبية، ليس الجوهر، للصورة الفووغرافية إنما يحمله غيابها، ذلك الغياب الذي هو جزء من هويتها باعتبار أن كل زخمها الإبداعي ودلالاتها الاجتماعية والجمالية والاستيتيقية إنما ينبني بالأساس على ما يثير الانفعال والإحاسيس والسريرة والذاكرة، وهذا "المايثير" هو الغائب عمليا، والحاضر من عناصر الصورة التي تمثله وتعيد تقديمه بصيغة جديدة لا تلغي كونه دائما ذلك المرغوب فيه والمستعصي على الإحضار الفيزيائي وليس على الاستحضار الفني الرفيع تخييليا.
تظل الفنون (التي يهمنا منها هنا فن التصوير الضوئي اساسا)، تظل على شاكلة القيم الإنسانية النبيلة والكونية، مُستعصية على كل تطويع "علمي" يروم تكميمها ثم "تكميمها". فالظاهرة الإنسانية – التي نعتبر الظاهرة الإبداعية منتهى نبلها وعبقريتها - ظاهرة حرة لن يستقيم وجودها إذا كانت في خدمة سلطة ما ولو كانت هي سلطة العقل العلمي الذي يظل الخادم الشرعي والمشروع للبراجماتية المؤسساتية كلما ارتبطت عضويا هذه المؤسسة بهاجس الضبط والأمن والاستقرار بمعناها المانع لكل اقتحام وتجريب لغير المألوف وذلك لعمري روح الفن والإبداع.
لن ترضخ الصورة الفوتوغرافية الفنية لهذا التطويع - تماما كالسينما الإنسانية النزعة والعميقة الالتزام - إلا وهي تنسلخ عن طبيعتها الجمالية التي لا وجود لها خارج ما يحتفظ به التاريخ الإنساني من قيم تميز الكائن المبدع homo sapiens عن "ذكاءه الأعمى" إذ يتبع هوى الغريزة واندفاعية السيطرة وتشييء الغير أيما كانت درجة وجوده دخول عالم الصورة الفوتوغرافية إذن رهين بتمثل خصوصية "اللغة" والتي تتحدث بها وتصوغ من خلالها رؤاها لمواضيعها، فما الذي يميز هذه "اللغة"وما خصائصها التي تشكل هذا التميز؟
يتعلق الأمر بالنسبة لنا في هذا البحث ب"التفكير البصري".

7
إن ما نعنيه "بالتفكير البصري"  في هذا السياق هو التفكير الذي لا يستقيم خارج آليات، أو ميكانيزمات، تلقي  العمل الفني البصري بالأساس، من خلال كلية الوجود الانساني بالدرجة الأولى حيث تكون الأسبقية هنا، كما يقول الخبير الدولي في  السمعي البصري "بيير بابان" Pierre BABIN للاحساس  وللجسد وليس للعقل وللمنطق ، ولعمل الفص الأيمن من الدماغ أكثر منه الفص الأيسر  . يقول  "جان  بيرتليمي" في كتابه المذكور سابقا: « لا ينبع العمل الفني وليس التصويري وحده، من الصياغة اللفظية، ولا من التعليل المنطقي أو الخطابة، بل هو بمثابة إدراك وإثمار مباشرين، فإما أن نتذوقه أو لا نتذوقه. قد تضفي الألفاظ على العمل الفني غموضا وتذيبه في موجة من الميوعة بدلا من أن توضحه، بل قد تحل محله شيئا آخر. »
لنتمهل قليلا، ما المقصود بالإحساس هنا؟
يقول شوبنهاور عن الفن وطبيعته بأنه: « تأمل الأشياء، تأملا مستقلا عن مبدأ العقل". L’art est contemplation des choses, indépendante du principe de raison
لنلاحظ بأن هذا الابتعاد عن مبدأ العقل هو ما سيأكد عليه كانط نفسه عندما يعلن عن أن البحث عن معيار كوني عقلي للحكم على العمل الفني وجماله ضرب من المستحيل، ليعلن بعد ذلك أن التمثل الشعوري والحسي للجميل هو المعيار الكوني. 
هل هو تلك المرحلة الإبتدائية الدنيا في بناء المعرفة والتي تكون لدى الطفل كما لدى العامي غير القادر على التجريد وبناء المفاهيم و"رؤية" العلاقات المنطقية المجردة بين المواضيع؟ هل يتعلق الأمر بالرأي، أو المعرفة العامية والحسية، التي تحدث عنها الإبستيمولوجي الفرنسي "غاستون باشلار" Gaston Bachelard، ناعتا إياها بالعائق الإبستيمولوجي L'obstacle épistémologique الذي لا قيام للمعرفة العلمية إلا بتحطيمه وتجاوزه، وبالتالي تحقيق القطيعة الإبيستيمولوجية معه من أجل بناء معرفة علمية تجد جدواها في تفسيرها للظواهر ، الطبيعية منها والإنسانية، ومنح الإنسان إمكانية السيطرة عليها وبالتالي تحسين موقعه في صراعه مع الطبيعة من أجل البقاء؟
ليس هذا هو مرادنا ولا طرحنا، وإلا لكُنا مع قمة التجريد، بعيدين بالتالي عن "اللغة" السمعية البصرية التي ندعو إلى فهمها بشكل مختلف، ذلك أن الطرح الباشلاري قمة في التجريد الابجدي الذي ندعو للابتعاد عنه لفهم "لغة" و"ثقافة" الصورة وتميزها.
يقوم التفكير البصري على مصطلح الإحساس الذي يتشكل من الخبرة الحسية، ومن المخزون الانفعالي ومن الخبرات الحدسية التي تراكمت في السريرة، سريرة الإنسان عامة وسريرة الفنان المبدع بصفة خاصة، من عمق ما خبرته الذات في حياتها من ممارسة للحياة بآمالها وآلامها، وبنجاحاتها وإخفاقاتها، وبإشباعاتها وحرماناتها للحاجات وللرغبات: « إن مصطلح الإحساس والشعور (في سياق الصورة وخصوصية تعبيريتها) يتضمن عدة مستويات هي، الإحساس والإنفعال والحدس ملتحمة جميعها"
عالم الصورة الفوتوغرافية إذن عالم متميز اللغة والتلقي, فهو عالم الجسد وما يستتبعه ويتبعه من إحساس أولا، ولعل هذا الأمر يعود بالدرجة الأولى إلى طبيعة الموضوع الذي يشتغل عليه الفنان الفوتوغرافي بالمعنى الدقيق للكلمة، الموضوع المرئي اساسا والذي لا يمكن الغبداع فيه إلا من خلال العين وما تراه عبر بوابة الإنفعال والإحساس والحدس: تصبح « اللحظة الحاسمة » التي تحدث عنها « هنري كارتييه بروسون » في هذا السياق هي ذلك الزخم من الإحساس الذي يمتلك « بغموض » الفنان فيضغط في اللحظة « الفريدة » على زر آلته، سامحا للضوء، بمقدار العارف (بالمعنى الصوفي للكلمة؟) برسم صورته التي « وخزته » بتعبير بارث مرة أخرى. ففي التفكير البصري الصور، عكس الأفكار المجردة، تخز ب"إبرة الإنفعال" ولا تدرك في التجريدية المحكمة لبنية علاقاتها المنطقية.

8
يكون الفنان الفوتوغرافي هنا وبالاساس عبارة عن سريرة تحس بالعالم وتنخرط فيه عبر صور وأحاسيس تحكمها قيم جمالية وأخرى ثقافية عميقة الجذور فيما هو وجداني وأجتماعي وحدسي، يحكمة المتخيل الخصوصي والكوني في الآن ذاته بكل ما يحمله من دلالات الخبرات والتجارب الإنسانية التي يغلفها اليومي "بطوارءه" المبتذلة و"الجديدة"، دون أن يستطيع محو عمقها الضارب في التاريخ و"الأصلي" الذي عليه تبني هذه السريرة زخم صورها في الحاضر. لا يمكن فهم هذا التميز في "لغة" وتعبيرية الفنان الفتوغرافي في عمقه ووضوحه، إلا بمقابلته بالعالم الذي يتلقى نفس العالم، لكن من خلال العقل المجرد وإدراكه لهذا العالم كمعادلات وخطاطات يحكمها منطق السببية والعلية ونظام المعادلات. ولما كان هذا العالم حاملا لقدرية ثنائية القيم في تكوينه، (ليل ونهار، خير وشر، حقيقة ولاحقيقة، حسن وقبح...) فإن الفنان الفوتوغرافي سيكون حاملا لذات تجمع كل هذه "المفارقات"من خلال ترسبات التجربة الإنسانية عبر تاريخها الطويل ومنذ اختبار الإنسان لأولى تجارب الالم والكبح، كبح الحاجات والرغبات كما يقول التحليل النفسي،  التي عبر عنها الطبيب وعالم النفس السويسري وريث التطوير الأولي لنظرية التحليل النفسي "كارل غوستاف يونغ"Carl Gustav Jung ب"النموذج الأصلي" Archetype.
ليس هناك مثال أفضل عن الأهمية الممنوحة للنموذج الأصلي من الصورة الضوئية لكارش Karch، أحد كبار المصورين الفوتوغرافيين في هذا القرن. لقد كانت الصورة الضوئية لديه تلاعبا عالما بالضوء على الوجه قبل كل شئ، وتوضيح للعناصر الدالة في هذا الوجه من حيث تعبيريتها عن الدفين في نفسية الإنسان، وإمساكا بالإيماءة – المفتاح التي تبوح، بتؤدة، بالخفي في أعماق النفس. وأخيرا، فقد كانت الصورة الضوئية لدى هذا الفنان الاستثنائي هي ضبط إطار المكان واكتشاف الوضعية الأكثر إيحاء. سيصور كارش السيد بابلو كاسالـز Pablo Casals جالسا ورأسه يلمع من الخلف في مواجهة حائط دير رهباني أسود تقريبا. يتسرب من أعلى إلى يمين الصورة شعاع من الضوء عبر ثقب نافذة، والمعلم يعزف وحيدا ولا يبدو من كمانه الضخم إلا قمته بالكاد. لقد كان "بابلو كاسالز" يبدو في ااصورة وكأنه منفي في مواجهة الآخـرة.
أنجز كارش الصور الضوئية لكبار هذا العالم أمثال الروائي الأمريكي إرنست هيمنغواي والوزير الأول البريطاني الشهير وينستون تشارتشل، وعالم الرياضيات والفيزيائي  صاحب نظرية النسبية ألبرت إينشتاين، وبابا الفاتكان جان بول الثاني، والممثلة السينمائية العالمية صوفيا لورين إلخ. وقد عرضت هذه الصور الضوئية في كبريات المتاحـف، كما اعتبر بلده أعماله الفنية إرثا وطنيا يستحق الحماية بالقوانين الملائمة فلماذا كل هذه القيمة لأعمال "كارش"؟

لنعد إذن إلى تساؤل سابق طرحناه: ما المعيار في جمالية الصورة الفوتوغرافية الفنية؟
يقول المفكر الفرنسي المعاصر كريستيان دو لكمياني Christian de De Lacampagne بعد مناقشة أفكار متعددة بصدد القيمة الإبداعية للعمل الفني وما يكن أن يشكل معيار الحكم عليها: « إن كل عمل فني يساعدنا على فهم العمل الفني بكيفية أفضل، وإذا كانت بعض الأعمال الفنية تساعدنا أكثر من أخرى على فهم الواقع، فلأن ذلك لا يرجع إلى القيمة الاجتماعية التي تكون لها مقارنة بأخرى، بل يرجع إلى كونها أكثر أصالة وعمقا. »
مما لا شك فيه أن الأعمال الفوتوغرافية تحمل الواقع في رحمها، لكن بنية وصيغة هذا "الحمل" لا ينبغي لها أن تكون مُبتذلة وإلا فلن تكون شيئا آخر غير صورة مشوهة لهذا الواقع كما يقول هيغل في رفضه فكرة تقليد العمل الفني للواقع. كما يمكن القول كذلك بأن الصورة الفوتوغرافية الفنية "تناضل" من أجل تحسين هذا الواقع، لكن لا ينبغي لهذه الصورة "المناضلة" أن تحل محل الخطاب السياسي الحزبي، ولا أن تتزيا بزي الخطاب النقابي المطلبي.
لا يعيد الفنان الفوتوغرافي أبدا إنتاج الواقع فهو يعيد صياغته بشكل مختلف ومدهش ولا يخطر على بال، وإن كان الموضوع مطروقا آلاف المرات من قبل: « ليست الفنون الجميلة شيئا آخر غير فنون العبقرية »، هكذا يلخص كانط الفن فهل الفوتوغرافيا من الفنون الجميلة؟
 لا وصفة سحرية للقيام بهذا العمل الإبداعي في الفوتوغرافيا، بل وفي الفنون جميعها سوى الوصفة الفريدة للإحساس وزخمه المبدع عبر السريرة وتجربتها الإنسانية العميقة والمتفردة لدى كل فنان. الوصفة؟الابتعاد عن المبتذل والمنمط والمُستهلكةِ صيغتُهُ هو ما ينبغي تجنب إجْهاضِهِ لهذه الفَرَادَة. ذلك ما يلح عليه الفيلسوف "نيتشه" ويسجل تناغمه مع مفهوم "الجنون المنتج".













































بيبليوغرافيا.

1)  « La chambre claire ». Roland Barthes. Gallimard. Paris. 1984.

2)   « Langage et Culture des Médias ». Pierre Babin. E. U. Paris 1991. Collection Communication.

3)  « Vocabulaire Technique et Critique de la Philosophie ». André Lalande. P.U.F.

 Quadrig/PUF. Paris. Troisième édition. 1993.

4)  Traverses/ Revue trimestrielle. Automne 1993. no- 7. Centre Georges Pompidou.

                       ------------------------------------------------------------------------------


"العلبة النيّرة" ترجمة إدريس القري، منشورات فضاءات مستقبلية، الدار البيضاء، 199.
عالم المعرفة. الصناعات الإبداعية، ج. هارتلي، ترجمة بدر السيد سليمان الرفاعي، عدد 339 مايو 2007، ص، 100.
جان برتليمي، "بحث في علم الجمال"، ترجمة د. أنور عبد العزيز ود. نظمي لوقا. دار نهضة مصر، يونيو 1970,
إيمانويل كانط، نقد ملكة الحكم، الترجمة الفرنسية، فيلونينكو، فران 1968، ص: 73.
لغة وثقافة وسائل الاتصال" ترجمة إدريس القري، الفارابي للنشر، مكناس 1995
أوراق، رواية، عبد الله العروي، المركز الثقافي العربي، طبعة 1989.




ثبت أهم المفاهيم والمصطلحات المستعملة في البحث.

الصورة، الفوتوغرافيا، الجسد، الإحساس، الحدس، التفكير البصري، السريرة، التخييل، التناسق، الجمال، الموضوع، التناغم، العمل الفني، الذوق، التقنية، اللحظة الحاسمة، الندرة، الضوء، الإنارة، التأطير، 
 الوعي، الرمز، التكنولوجيا، ،التضخيم، التفخيمالحكم، الحكم 

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

Merci de nous dire ce que vous en pensez.