mardi 25 février 2014

الموسيقى والسينما: من وظيفية التأثيث وتعبيرية الأدرمة، إلى شاعرية البوح الصوفي. إدريس القري.

ما نوع العلاقة الممكنة بين الصورة السينمائية والنغمة الموسيقية في الفيلم السينمائي؟
كيف بدأ اللقاء بين هاتين الطريقتين التعبيريين وكيف تطورت العلاقة بينهما عبر تاريخ السينما؟
ما أشكال العلاقة الممكنة بين الموسيقي والسينمائي قبل وبعد تبلور مفهومي المخرج ومؤلف موسيقى السينما عبر مسار التطور التاريخي؟
ما حدود المردودية الفنية لهذه العلاقة في أشكالها المتعددة وكيف يمكن التقدم بها نحو آفاق أرحب؟
= في البداية كانت المصاحبة.

من المؤكد أن كلا من السينما والموسيقى جزء من أشكال التعبير الإنساني اليومي المبتذل بشعبيته بل وشعبويته من جهة، والإبداعي الراقي النخبوي من جهة ثانية، فليست كل صورة عملا إبداعيا، كما ليست كل نغمة تحفة فنية، فما العلاقة بين الصورة السينمائية والنغمة الموسيقية خاصة، وبين الموسيقى والسينما عامة؟
عرف تاريخ الفنون عامة وتاريخ السينما خاصة في علاقتها بالموسيقى تطورا متعرجا منذ ظهور الصورة المتحركة مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. ويمكن تقسيم هذه العلاقة في هذا السياق وباختزالية شديدة في مرحاتين كبيرتين كما يلي
=  بدأت هذه العلاقة بوظيفية تجلت في مرافقة الموسيقى للسينما لتأثيث فراغات غياب الصوت وقصور فن السينما آنذاك عن التقاطه. هكذا تصدرت أجواق الموسيقى شاشة العرض لتقوم بملأ فراغ الصمت الذي كان يخلفه غياب الصوت.
=   تحولت العلاقة شيئا فشيئا نحو تعبيرية مشتركة نتجت عن تداخل الموسيقى بمكونات الصورة السينمائية المزيجة بطبيعتها، إلا أن هذه العلاقة عرفت مسارا صعبا لم يكن سببه سوى تبعية الصوت، بخاصة، للتطور التكنولوجي الذي احتدم الصراع فيه بصفة خاصة بين الفرنسيين والأمريكيين واليابانيين، هؤلاء الثلاثة الذين كانوا روادا في معركة تدجين تمرد الصوت على كل استجابة للتناغم مع الصورة خلال عرضها، وهو الأمر الذي لن يتحقق بشكل كامل ومُتحكّم فيه إلا مع ظُهور الصّوت الرّقمي.
= مسار تاريخي.
يمكن تلخيص التطورات الكبرى التي أثرت في علاقة الموسيقى والسينما مع ظهور السينما الناطقة كالتالي:
 في 27 ديسمبر 1910 تم تقديم جهاز الكرونوغراف بأكاديمية العلوم بباريس، حيث تمت عملية تنسيق التزامن بين الصوت والصورة بشكل كامل. إلا أن التاريخ، و تاريخ السينما خاصة، سيسجل الولايات المتحدة كمهد لخروج أول فيلم ناطق للعرض بصوت متناغم مع الصورة وهو فيلم "مغني الجاز" الذي أنتجته شركة "وورتر بروس"، وذلك شهر يناير سنة 1927، تلاه فيلم "السماء السابعة" الذي عرضته شركة "فوكس" شهر ماي من نفس السنة.
بعد ذلك سيتسارع تطور وتقدم التكنولوجيا في ميدان الصوت، وخاصة مع اختراع تقنية      Stereo، ثم HD، فSurround Sound وما تلاه من اختراعات وتحسينات. والواقع أن هذه التطورات والفتوحات التكنولوجية الدقيقة، زادت من "محنة" السينمائيين ليس بتعقيداتها، فالتقنيون موجودون ويتقاضون أجورهم لمعالجة ذلك، بل لتركيبية ما تُتيحُه من تعْبيريّة لا يمكن استغلالها بشكل ناجع، إلا في حالة امتلاك إمساك حقيقي بتلابيب السرد السينمائي وأدواته النبيلة المحترفة.
= هكذا سيصبح للموسيقى حضور فعلي في الفيلم السينمائي.
عرف هذا التطور مراحل متعددة - إذا اعتبرنا البداية هي تاريخ حل كل المشاكل التقنية التي عرفها تركيب ومزج الصوت والصورة والتقاطه بل وصناعته والتدخل في طبيعته تصفيةً وتضخيمًا وتفخيمًا - لم تكن في حقيقة الأمر سوى تعبير عن "جدل" أنيان" وأسلوبي تعبير، نعتقد أن مستويات ترتيبهما للتلقي وبناء المعرفة في آن، من الحساسية إلى الحدس مرورا بالفهم - على حد تعبير كانط - هو سبب مفارقة صراعهما وتنافسهما كأسلوبي تعبير جماليين جماهيريين شائعين، بقدر ما هما، أحيانا، نخبويين وخاصين في الآن نفسه.
= لماذا هذا الاختلاف؟
لعل السبب يكمن في تصور كلاهما لمايريده من الموسيقى: فالموسيقي يروم التعبير الروحي بالموسيقى لذلك تجده أكثر حساسية لها من حيث الجمالية، أما السينمائي قيروم أكثر لتعبيريها الدرامية باعتبارها جزء من منظومة التعبير عن ما يريد حكيه كسارد.
والواقع أن اختزال الموسيقى إلى مجرد عنصر من عناصر البناء الدرامي للخطاب السينمائي سيقلل من البناء الموسيقي ذاته كإبداع. وقد برهن على ذلك المتخصص الفرنسي Maurice Jauber منذ 1937 عندما قال بأن ثلاثة نغمات من آلة الأكورديون ستكون ملائمة - للتأثير الدرامي في السينما - أكثر من توزيع كامل للموسيقار "Wagner" ذلك أن ثلاث نغمات أكورديون لا تملك الغنى التركيبة الكاملة لتكون لحنا بالمعنى الصحيح للكلمة، لكنها تمثل بالتأكيد مصدرا للأدرمة
هكذا تم اكتشاف وظيفة تواصلية جديدة للموسيقى في السينما إلى جانب تعبيرية الصورة والكلام، لكن بحصرها في نقل الإنفعالات البسيطة، بالمعنى الدرامي مثل الحزن والحنين والفرحإلخ
لعل الحديث عن زوج متكافيء في سياق هذه العلاقة هو الكفيل بإيلاء كلا العنصرين التعبيريين حقهما الكامل من حيث القيمة الفنية. هكذا لن تكون الموسيقى مجرد تزيين تكميلي للفيلم على المستوى الدرامي، كما أن التعبيرية السينمائية لن تحرم من آلية تعبيرية أساسية للغوص أكثر في اللامرئي من الحكاية الإنسانية التي لا الصورة ولا الكلمة الإبجدية تستطيع نقله في جوهره "اللامادي". نذكر في هذا السياق أفلاما عالمية خالدة - ليست بالضرورة موسيقية خالصة خصصت لتبريز موسيقار عبقري أو للاحتفاء بالموسيقى كفن مستقل … - شكل حضور الموسيقى فيها أو في مقاطع منها حضورا ذاتيا وتعبيرية تركيبية جسدت الاستثنائي والمتميز، تعبيريا، الذي يمكن أن ينتجه الزوج: صورة-موسيقى: أذكر في هذا السياق على سبيل المثال لا الحصر فيلم "August Rush" الذي كان فيه التعبير الموسيقى قوي الاستقلالية بالتظافر مع الصورة وبتناغم مثير واستثنائي دون حاجة للكلام في الغالب الأعم.
مما لا شك فيه أن العمل السينمائي بطبيعته، كعمل فني إبداعي، عملٌ "نرجسيٌّ". فالسينمائي مايسترو لا يعترف بأي نابغة في العزف إلا متى عزف داخل مجموعة تُشكِّلُ جوقته "الصانعة" للفيلم، حسب رُؤيتِه وتصوُّره (نتحدث هنا عن السّينما بمعناها البنيوي الكامل ككتابة فنية وفكرية للإنسان الُمبدع بالمعنى الفلسفي الكامل للكلمة) وبما يُعبر به هو عن ذاتيته بشكل أو بآخر. لكن لا ينبغي أن ننسى بأن هذا المايسترو لا بد له، لحيازة اعتراف هؤلاء النوابغ الذين يصطفون تحت إمرته وإدارته، أن يقودهم، هم أيضا، نحو تحقيق ذواتهم والتعبير عنها. لن يكون لذلك من معنى غير أن يُفرد هذا المايسترو المبدع لكل عازفيه مساحةً للِاسْهَامِ في بناء العمل الفني السينمائي كموسيقيين، تماما كما يفرده، تقليديا، لناظمي الحوار "الشاعري" الذي يأخُذُ المتفرج بمَقاطِعِهِ نحو عوالم سحرية تخييلية لم يَرْتَدْها من قبل أو أنه لم يرتدها بتلك الكيفية سابقا.
= ما هو شكل العلاقة المثالية بين السينما والموسيقى؟
هو العمل المشترك في احترام متبادل لشروط الإبداع من كلا الطرفين. النماذج كثيرة ومتنوعة لأن ولا وصفة جاهزة هناك. توازن العلاقة إذن يكمُنُ في الجمع المتناغم بين القيمة الجمالية والوظيفة الدرامية بين المكون الموسيقي وكلية الصورة ومكوناتها في هذه العلاقة. ليست هناك علاقة مثالية إذن لكن ما هي العلاقات الممكنة بين السينمائي والموسيقي في لفيلم؟
إليكم هذه النماذج:
1=- نموذج نرجسية السينمائي
حالة المخرج كينتان طرانتينو والموسيقى في السينما.
يعتبر هذا المخرج السينمائي المثير للجدل بأن الموسيقى ذات تأثير على الفيلم إلى درجة تمسخ الصيغة الأصلية أو السينمائية الأصيلة. لذلك فموقفه سلبي وبقوة من كل تواطؤ ممكن بين أسلوبي التعبير ايقول السينمائي Quentin Tarantino عن الموسيقى في الفيلم في نظره: 
"من غير الوارد أن أقبل بموسيقى أصْلِيّة في أفلامي، فأنا لا أتصور ولا أقبل بالمرة منح سلطة بهذا القدر لشخص آخر على عملي." تصريح للمخرج بمناسبة خروج فيلمه Inglourious Basterds للعرض سنة 2009. لكن، لنسجل إلى حين بأن هذا المخرج سعى للاشتغال مع المؤلف الموسيقي الكبير إنيو موريكوني ولم ينجح التعاون بينهما لأسباب لا تهمنا طبيعتها بقدر ما تهمنا نتيجة المحاولة.
2 =  نموذج الصداقة الأرسطية (صداقة الفضيلة) بين السينمائي والموسيقي.
مقابل هذا الموقف المغرق في النرجسية من السينمائي تجاه الموسيقي، هناك مواقف مقابلة تماما لكنها تظل متمايزة ومختلفة  منها على سبيل المثال:
= حالة المخرج فيديريكو فيلليني والموسيقي نينو روتا، تأليف الموسيقى دون رؤية الفيلم.
هنا الثقة والصداقة والتواطؤ الجميل والتفاهم العميق تبلغ قمتها. فقد كان نينو روتا يؤلف دون رؤية الفيلم. فيالإضافة إلى الأشارة بأن الملصق كان غالبا ما يضع إسم مؤلف الموسيقى مباشرة تحت إسم المخرج في أفلام فيلليني، وهي مسألة ذات دلالة، يكفي القول بأن موسيقى فيلمي "كازانوفا" و "لادولتشي فيتا" كانت من تأليف نينو روتا. ينبغي التسطير هنا لغير المتخصصين بأن الأمر يتعلق بتحف سينمائية فريدة التميز.
= حالة المخرج العالمي  ستيفن شبيلبرج وجون ويليامس المؤلف الموسيقي وصديق العائلة.
ستيفن شبيلبرغ و جون ويليامس. تمثل هذه العلاقة بين هذين المبدعين الكبيرين ما يزيد على أربعين سنة من التواطؤ الكامل على امتداد خمسة وعشرين فيلما أنجزها المخرج السينمائي العالمي ستيفن شبيلبرج. وقد حصل، بالمقابل، المؤلف الموسيقي جون وليام على التنويه الثالث والأربعين مع فيلم "لنكولن". ولم يتردد المخرج شبيلبرج في التصريح بأن صديقه وشريكه جون وليامس قد "سمى وتعالى" بكل أفلامه من خلال تأليفاته الموسيقية،وبأنه، نتيجة لذلك، عضوا من عائلته الصغرى.
= حالة بيدرو ألمودوفار وألبرتو إجليسياس موسيقي الظل.
قال المؤلف الموسيقي ألبرتو إجليسياس عن اشتغاله مع المخرج السينمائي الإسباني المتميز: “تبدو أفلام ألمودوفار ثرثارة للوهلة الأولى، لكن الكلام فيها غير مطلوق على عواهنه، فهو يختار الكلمات بحرص شديد، سواء فيما يتعلق بمعانيها أو فيما يتصل بموسيقيتها وإيقاعها، عندها نكون أمام موسيقى جاهزة من خلال الحوارات، ولا يكون علي سوى التأليف انطلاقا من ذلك".
هو نوع آخر من التناغم بين الموسيقي والسينمائي، لكنه تناغم ينطوي على نوع من التبعية الظاهرية والطوعية، ربما. فقد قامت علاقة ألمودوفار بأجليسياس بعد علاقته العابرة  بالموسيقيين الكبيرين الياباني ريوتشي ساكاموطو، والإيطالي الشهير إنيوموريكون. ولعل المجازفة بالقول بأن ساكنين لا يلتقيان هو ما كان وراء قصر العلاقة بين هذا المخرج المعروف بقوة شخصيته الفكرية ونرجسيته الحيوية. فالمعروف أن ريوتشي ساكاموطو مؤلف موسيقي من العيار العالمي إذ اشتغل على أفلام كبيرة عالميا ليس أقلها فيلم "آخر أمبراطور"، كما اشتغل على تأليف موسيقى حفل افتتاح الألعاب الأولمبية لسنة 1992 ببرشلونة. أما تجربة هذا المخرج الاسباني الكبير مع المؤلف والمايسترو الإيطالي الأسطوري إنيو موريكوني فتغري بتأكيد طرحنا، فموريكوني هرم عالمي تجاوزت شهرته الآفاق، اشتهر كعزف للساكسوفون أولا، ثم كمؤلف للموسيقى الكلاسيكية وموسيقى الأفلامأكثر من خمسمائة فيلم وسلسلة تلفزيونية - والحفلات الدولية الكبرىفيفا 78. اشتغل مع كبار المخرجين السينمائيين منهم على سبيل المثال لا الحصر: سيرجيو ليوني في أفلام الوسترن الإيطالية من أشهرها Once Upon a Time in The West و  The Great Silence. كما اشتغل مع المخرجين الكبيرين "بريان دي بالما" و"أوليفر ستون، الأول من أشهر أفلامه Scareface, Les intouchables, Mission impossible، والثاني اشتهر على الخصوص بكتابته لفيلم  Midnight express الذي تعاون فيه مع المخرج الأنجليزي ألان باركر، بالإضافة إلى فيلم Platoon.
على سبيل الخلاصة.
هذه بعض من أوجه العلاقة الفكرية والروحية التي قد تبلغ حد الحدس الصوفي بين الموسيقى والسينما وذلك بغض النظر عن الوظائف التقليدية للموسيقى في بناء الفيلم. هذه الوظائف التي لا يمكن تجاوزها نحو ما ذكرناه من "حدس صوفي"، إلا بعد التمكن منها حِرَفيا ومهنيا. تتمثل هذه الوظائف، باختصار شديد، في مهام أهمها:
= مصاحبة الحركة،
= تمثيل مكان الحركة ونوعيته،
= تجسيد مصدر الموسيقى المرئي على الشاشة،
= التعبير عن أحاسيس ومشاعر شخصيات الفيلم،
= التعبير عن الانفعالات المصاحبة لما يحدث أو ما قد يحدث لاحقا،
= التهيء لحدث في المشهد اللاحق،
= تجسيد هوية الفيلم الحكائية وتميزه السردي.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

Merci de nous dire ce que vous en pensez.