samedi 28 juillet 2012

السياقة والتلفزيون وغرام الممنوعات. إدريس القري.

واستغرابا، رافعا من درجة حذره وانتباهه وهو يسوق السيارة، ليتحول اندهاشه واستغرابه مع الوقت إلى ابتسامةِ من سلَم أمره في النهاية ورضي بـالمكتوب"
انتهت بنا الدردشة بالمقهى إلى طرح مختلف تحديات المغرب، الانتاج والإبداع خاصة، فابتسم صديقي وقال:
- "أعتقد أن تشخيصا لعقلية المغربي ونظرته للسياسة وللاجتماع،
قد تبدؤ من ملاحظة طريقة سياقته ومشيه، فقد اندهشت دائما من سياقة وسير المغاربة حيث يبدو أنهم يحاولون الوصول بالطريقة الأكثر اختزالا."
- "تقصد أنهم يسوقون بسرعة؟"
- "لا، إنهم لا يسوقون بالسرعة التي يسوق بها الأوروبيون مثلا، ولكنهم يسوقون كما يسيرون المجالس البلدية، وكما يتعاملون مع الطابور، وكما يصعدون إلى الحافلة..."
- "ماذا تقصد؟"
- "أقصد أنهم يسرعون حيث لا يجب، ويتجاوزون حيث يُمنع ، ولا يتوقفون حيث ينبغي التوقف، وعكس ذلك يقفون بكثرة ولامبالاة حيث يمنع الوقوف...والغريب أن سرعتهم لا ترتبط بالإحساس بندرة الزمن بل بوفرته.
أجبته قائلا:
- "آه فهمت، لكن هناك جزاء وعقاب من المفروض أن يردع أغلبية المغرمين بالممنوعات! أما الاحساس بوفرة الزمن فمسألة ثقافة وعقلية"
أجابني صديقي بهدوء:
- "صحيح، لكن القائمين على الردع... مغرمون أيضا بالممنوعات!"
- "هذا أمر منتشر عبر العالم كله..."
- "كلامك صحيح لكن الفرق بين المغرمين بالممنوعات عندنا وعندهم ثلاث...أولى هذه الفوارق تكمن في عدد المغرمين بالممنوعات: فهم قلة عندهم، أما لدينا فهم جيش عرمرم. وثاني هذه الفوارق أن جذورهم لديهم قصيرة وقابلة للحصر... أما لدينا فجذورهم عميقة ومتينة تمتد إلى الإدارات والأحزاب والنقابات والجمعيات، بل التلفزيونات والاذاعات. وثالث هذه الفروق يهم المدرسة، حيث الغش واللاتواصل حق مكتسب، والهدر وعدم احترام الوقت مكسب، والمحاسبة على الكم دون الكيف مطلب، والخروج عن النمطي من الأفكار والمناهج والأحكام، كالاستظهار والترغيب والترهيب والاحكام المسبقة، خيانة وشغب."
قلت لصديقي بأن الأمر يتعلق بنظرة سوداوية مبالغ فيها فقال مبتسما:
" الأخطر أن المغربي يعيش في لمناخ عام ملوث يجعله يطمأن لوهم أنه إن كان عقلانيا وذا حس وطني سليم، فلن يكون إلا شاذا أو غبيا".
رفعت حاجبي بفضول فتابع صديقي قائلا:
- "أقصد أن السائق يعلم بأن هناك إمكانيات وبدائل لتجنب العقاب. ثانيا أنه يتنفس هواء اجتماعيا يجعله متآلفا مع غرام الممنوعات، والأدهى والأمر أن التلفزيون، يساهم في هذا التآلف ويقويه أكثر، وذلك بابتعاده عن القيام بدور واضح وقوي في مقاومة كل أشكال الاحتماء بالتقليد والانحراف.
- "وما علاقة الراجل بكل هذا؟"
هنا انتفض صديقي وظهر عليه الانفعال وقال:
- "أستغرب من عمق غرامنا بالممنوعات، فبالله عليك لماذا يسير الراجلون في المغرب على الطريق المُعبدة حتى والأرصفة لا يحتلها، ضدا على القانون، أصحاب المقاهي والدكاكين، ثم لماذا يقطع المغاربة الطريق من وسط ملتقيات الطرق، بل من وسط النافورات، والأمر مستشر بحيث يستوي فيه الشيخ والشاب والتلميذ والموظف وذات الحجاب وصاحب الجلباب وربطة العنق؟
نظرت إلى صديقي عاجزا عن استخلاص فكرة جامعة فلاحظ ذلك وقال مهونا علي:
- "لا عليك يا صاحبي فالحكاية وما فيها أنني أريد القول بأن معركة التحديث بالمغرب معركة ضد سلوك وعقلية، لتغييرهما لا بد من عمل متواصل ومنسق يمس كل أشكال الحياة اليومية، على أن تمنح الأولوية في ذلك للمستويات التعليمية والإعلامية والتواصلية على كل الواجهات..."
فهمت صديقي وأكملت:
- "...وبذلك فسيكون على الدولة الانتباه إلى عدم كفاية وصلات التوعية النمطية والمناسباتية، بينما بقية البرامج مُكرسة لاجترار السائد والمألوف، هكذا يدك الجمل أكثر مما حرثه."
ما كدت أتم كلامي حتى سمعنا "أنين" سيارة الاسعاف وهو يغمر المكان، فقال صديقي معلقا بجدية:
- "لعلنا سنسمع في نشرة الأخبار عن حادثة جديدة مميتة هذا المساء"
فأردفت مقلدا مقدم النشرة المتلفزة:
- "هكذا تتواصل حرب الطرق ببلادنا، فمزيدا من الحذر، فالطريق كلها منحدر."

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

Merci de nous dire ce que vous en pensez.