lundi 10 octobre 2011

بيير بابان: الأسبقية للخلفية - ترجمة إدريس القري

يكتب أ. مرحابيان A. Merhabian  الخبير في التلفزة مايلي:
«... في التلفزة يمثل ما يقوله شخص 7% مما يبلغه، و38% من الرسالة يتم نقله بطريقته في التعبير (الصوت والرصيد اللغوي وإيقاع الخطاب) و55% بواسطة التعبيـر الإيمائي وحركات الجسـد»[1]
تعني نسب مائوية كهاته الكثير كما تقلب نظام القيم المدرسية إذا كانت صحيحة. تلقن الجامعة للطلبة أن المعنى موجود في الكلمة الصحيحة وفي المقطع المتقن البناء. وحتى وإن كانت النسب المائوية لمرحابيان تنتسب إلى تقدير ذاتي أكثر منها إلى حساب علمي مستحيل أصلا، فإن تأكيده يعبر بطريقة إيحائية عن أطروحتنا. ذلك أن الخلفية (أو الهالة الروحية) تعتبر أكثر أهمية في السمعي البصري وفي وسائل الاتصال عموما،
مما هي عليه في الموضوع النظري المكتوب أو المنطوق. وعلى عكس من ذلك، ينكشف موضوع الصورة أكثر من انكشاف الخلفية في اللغة المكتوبة وفي الثقافة الأدبية.

بمقدار ما نتوغل في نباهة اللغة السمعية البصرية بقدر ما يفرض الارتباط بين الخلفية وموضوع الصورة نفسه كأحسن أداة ليس للتحليل فحسب، بل وللإبداع أيضا. إنه المفتاح الأكثر أصالة وأهمية من بين سائر المفاتيح للدخول إلى وسائل الاتصال بدون شك. لكن، كيف نفهم هذا الارتباط؟ إن فكرة الهالة الروحية Ground من أعقد الأفكار. فالارتباط بين الخلفية وموضوع الصورة متغير من لحظة إلى أخرى.
ما المقصود بالخلفية أو الهالة الروحية وموضوع الصـورة؟
من الصعب وضع المصطلح الانجليزي Ground في بداية هذا الفصل مقابلا لمصطلح موضوع الصورة. إنه لأمر صعب، لذلك اخترنا مصطلح الخلفية (arrière - plan) باعتباره الأقل ضررا مما وجدناه في لغتنا الفرنسية. والحقيقة أنه غير لائق كمقابل للمصطلح الانجليزي، بل في تبنيه مغامرة بتوجيه القارئ إلى فهم ضيق، بل مغلوط. وسنستعمل فيما يلي - وفي الغالب - المصطلح الانجليزي ground لأن اللغة الفرنسية لا تتوفر على كلمة للتعبير عن الواقع الذي نرغب في تحديده. وربما رجع ذلك إلى أن لغتنا متفوقة بدقة أكبر في مقولات فكرية وعقلية أكثر منها في تلك المتعلقة بالسمعي البصري. يكثف مصطلح ground مظهرين للواقع أحدهما داخلي غير مرئي والآخر خارجي مرئي.
إن مصطلح ground يعني بشكل غير قابل للفصل ما يلي:
- الخلفيـة وجوهـر الواقـع،
- البيئـة والأســاس،
- السيــاق و علة الوجــود،
- المظهــر والعلة الشكلية (الصورية)،
- الوعـــي واللاوعــي.
ليتفضل القارئ بالسماح باستعمال هذا المصطلح الانجليزي على طول صفحات هذا الكتاب. وإنني أشعر بالأسف كلما استعملته. ولكن، كيف السبيل إلى تجنبه بواسطة جملة استطرادية ستكون لن تطاق لمدة طويلة.
إن هذا المصطلح هو من الغنى بحيث أن ميلان كونديرا Milan Kundera يثيره في روايته الخلـود l'immortalité كمقولة أساسية لفهم العالم. فهو يكتب انطلاقا من المصطلح الألماني «grund» المطابق ما يلي: «يوجد في أعماق كل منا ما يسميه الألمانيون grund باعتباره سبب لما نأتيه من أفعال. إنه الأساس والشفرة التي تتضمن جوهـر قدرنا[2].» وفي مكان آخر يكتب: «... تسمى العلة باعتبارها سببا في الألمانية grund، وهي كلمة لاعلاقة لها بكلمة Ratio اللاتينية التي تشير أولا إلى الأرض ثم إلى أساس ما[3].» إن هذا المصطلح موافق بالضبط للسمعي البصري، وذلك بسبب نغمية وقعه الماهوية والمادية والروحية والجسدية في نفس الآن. سيتم الحديث في الوسط الأدبي عن النص والسياق وعن الشكل والمضمون بالأحرى. وتظهـرهذه المقولات غيـر ملائمة للتعبيـر عـن التلفزة وعن الإشهار. ومهما بدت المصطلحات والتمييزات التي نقترح استعمالها لدراسة السمعي البصري ووسائل الاتصال غريبة ومجردة، فإنها ذات أهمية أولية بالنسبة لثقافة وسائل الاتصال إذ تعبر عن تجربة أساسية.
لنأخذ مثالا انطلاقا من التقاط مبتذل لصورة ضوئية photo. فعلى سطح عمارة صغيرة تبتسم لي امرأة متكئة بمرفقها على الدربزين وتبهرني بهيئتها المثالية الأثيرية إلى حد ما: أصوب تبأير آلة التصوير على المرأة وأضبطها بتصميم واسع كما نفعل عادة بآلات تصوير مألوفة ثم أضغط على الزر، وها هي ذي الصورة ملتقطة. مؤكد أن المرأة في مقدمة الصورة حسب ظن مصور فوتوغرافي. إنها هي موضوع الصورة والباقي كله ثانوي. هكذا تم تجاهـل شجيرات العفصية Thuyas مع أن قامتها تضعف هيئة المرأة وتضفي اخضرارا على لون بشرتها. على بعد حوالي مائة متر، تم تجاهل عمارة كبيرة تعكس نوافذها المتراصة على حيطان صفراء وردية نور الشمس. كل هذا الواقع تم تلقيه بشكل سئ إن لم يكن منسيا تماما، واقع خارج حقل الوعي الواضح. هنا ينطبق بشكل جيد المصطلح الفرنسي خلفية: إنه الوراء والماوراء، وإلا فاللاوعي، وعلى الأقل ماقبل الوعي. فالمرأة تستقطب كـل الاهتمام.
عند إخراج الصورة تحصل المفاجأة، فما الذي نراه؟ إن المرأة هناك دائما في الأمام في مقدمة الصورة، ولكنها مغرقة ومبتذلة بحيث أنها تبدو حزينة وغائبة. ابتسامتها الجميلة تظهر باهتة والدربزين الممتد وراء خصرها يفرقها إلى قسمين، والسماء المكفهرة تهددها بغيومها الرمادية. في الوراء شعاع من الشمس متسرب من بين الغيوم على الحائط يحول النظر عنها. وشيئا فشيئا تكون الخلفية هي البادية والمتصاعدة القوة صارخة بطريقة ما: الضوء الرمادي - الأخضر الذي يغرق المرأة ورجع العمارة ووهمية السطح المعلق بين الأرض والسماء، الهيئة الضامـرة للشجيـرات العفصية والاسمنت الخشن والباهت للمعابـر وباختصار، فإن الأمر يتعلق بلامعنى الوضعية وبسقط متاع الخطوط والأشكال، فما الذي حدث إذن حتى اختفت مقدمة الصورة وأصبحت باهتة إلى الحد المثير للرغبة في التخلص منها؟ حدث أن الهالة الروحية للصورة هي الأساسية وذات الأسبقية في الصورة الضوئية على خلاف ما يحدث في الاتصال المباشر بالواقع أو في المكتوب. فالهالة الروحية هي التي تجسد الروح وتمنح المعنى وتنتج الأثر على المتفرج. إنها تكشف عن وجودها العميق وتؤثر على المرأة.
أيكون السبب هو نقص اللغة؟ لقد تم تصوير شكل المرأة وليس هالتها الروحية. فالهالة الروحية موجودة في موضع آخر، وهي لا تنتسب إليها. فذلك الدربزين، وذلك الحائط في الوراء، وذلك الضوء الحزين كلها عناصر ترسم شيئا معاكسا لجسد تلك المرأة التي كانت حاضرة في ذهني وحولها الحائط المشمس إلى غائبة وهو يستولي على ناظري، كما جمدها الاسمنت بعدما كانت باسمة. لنتخيل للحظة أننا غيرنا التأطير. فالمرأة الآن تلوح بيديها المرفوعتين في حقل نابتة في أرضيته أزهار الربيع وضوء دافئ يغمر وجهها والتبئير مصوب نحو عينيها وصدريتها الصفراء متباينة مع العشب، والأرضية تبدو غير دقيقة المعالم شيئا ما. إنها باختصار الهالة الروحية المثالية، الخيالية والأثيرية. هاأنذا أجد المرأة بعد إنجاز الصورة كما ظهـر لي وجهها على سطح العمارة الصغيرة سابقا وإن كانت ابتسامتهـا خفيفة. لم ألتقط في هذه الحالة صورة لوجهها فقط، بـل ولهالتها الروحيـة، أي لجوهرها ولوجودها الحميمي الظاهر في جسدها وفي بيئتها.
إن ما يهم وما يولد الأثر عندما أقرأ كتابا ما هو بصفة مبدئية الكلمات الحاملة للفكر. وبالطبع فليس الورق هو الموجود في مقدمة وعيي، بل الكلمات. والأمر نفسه يسري ولكن بدرجة أقل مع ذلك، على الاتصال الشفوي المألوف. فعندما يقدم الاستاذ درسه فإن أفكاره هي التي تشغل ذهني، أما إيماءاته وبذلته وحيطان الفصل فهي هناك على الأقل باقية في الخلفية. الافكار هي التي تهيمن عادة والأمر مختلف تماما مع التلفزة. فحتى مع بقاء الأفكار في مقدمة الوعي، وحتى إن تم النقاش بالمقهى حول ما قيل فإن الرسالة، أي المعنى والأثر الناتج، يأتي من موضع آخر في الواقع. يعين جاك لاكوتير Jean Lacouture جيدا موضع الرسالة هذا وهو يصف ظهور دوغول De Gaulle على التلفزة قائلا:
«إن دوغول أمام الشاشة الصغيرة عين وقناع وساعدان. العين عين فيل، خديعة وضغينة، ملئى بالحكمة الهائلة وبالغضب البارد. والقناع الذي توقف العمر عن تجعيده كي يصقل من الآن فصاعدا مستوياته مثل قمة جبل شامخ، حيث بلزاك رودان المتورد بفعل الزمن والملتوي من القدح. يصلح من أجل الأبوي والساخر. ثم الساعدان اللذان يقدم إلى الأمام مثل دبابات فوق منحدرات أبفيل abbeville ومثل سيف عند رجلي القيصر واللذان يحدث أن يحركهما من أجل الجماهير أيضا، مثل منار مستقل جزئيا عن ذاته، المؤصل بالدوغول المغرم بالأمة - الشعب الصغير والأناس الطيبون - عندما يتأمل الدوغول القلق برزانة على مستقبل الدولة في مواجهة الخارج وفي مواجهة الوسطـاء[4].»
من المؤكد أن شخصية دوغول كانت موجودة دون واسطة التلفزة، ولكن أي خيمياء عجيبة هذه مع التلفزة! فالمفاهيم المجردة تتراجع والأفكار الكبرى تنمحي لفائدة الوصفات والاهتزاز الهائل للجسد. لقد رقى الوسيط الهالة الروحية إلى صف مانح للمعنى. كما أشاد بها كظهور للروح. لقد أثار الوسيط نمطا من الاتصال يسمى المشاركة في الهالة الروحية. يمكن، من الآن فصاعدا، فهم إلحاح كونديرا على كون الهالة الروحية شئ آخـر غيـر مجـرد خلفية شكلية، فهو الأساس، وذلك الشئ الذي بدونه لن يكون للموضوع لاواقع ولامعنى، إنه الأب المؤسس، أرض وبيئة معا. إن كلمة تصوير ضوئي (photographie)، أي الكتابة بالضوء، تشير جيدا إلى الدور المؤسس للهالة الروحية. فالصورة الضوئية هي أولا أرض، أي حاملة معينة من الورق ذات الذرات الرقيقة وذات الحساسية الكبيرة، وهي بعد ذلك أثر من الضوء الذي سيخلق معنى موضوع الصورة نوعا ما.
هنا تتم ملامسة التبرير الأخير لمصطلح الهالة الروحية. وإذا كانت لهذه الفكرة كل هذه الأهمية، فلأنها تترجم جوهر الرسالة السمعية البصرية حيث لايتعلق الأمر بمفهوم بل بجسد، بصدمات حواسية وليس بأفكار. إن الرسالة في الجسد والروح ترى في العينين كما أن الشخصية تسمع في نبرة الصوت، فما الخصوصي في الإليكترونيك؟ لاشئ غير تمديد وتضخيم وتشديد هذه الرسالة التي هي جسـد.
هناك مظهـر آخر جديـر بالاعتبار في العلاقة هالة روحية - موضوع الصورة وهو مظهـر اللاوعي والتحتي. فالهالة الروحية - موضوع الصورة تعني واقعا ذاتيا بنسبة 60%. إن الهالة الـروحية هي ما يوجد في خلفية وعي شخص معين، أما موضوع الصورة فهو ما يوجد في المقدمة. يمكن مثال خطة النشالين من الفهم الجيد للطبيعة المتدفقة والذاتية لهذه العلاقة بين الهالة الروحية وموضوع الصورة. فهؤلاء لا يسرقون أبدا ما هو موضوع في المقدمة، بل ما هو خلفي: فأنا داخل الحافلة المزدحمة جد منتبه وضاغط على حافظة النقود لتجنب سرقتها. إن الحافظة موضـوع أمامي، وسيجعلها النشال تتحول إلى هالة روحية كي يسرقها. عند نزولي من الحافلة أشعر بضربة مرفق عنيفة لتصبح الصدمة على جسدي هي موضوع الصورة الأمامي وتنتقل الحافظة إلى وضعية الهالة الروحية. عندها إذن يسرقها النشال.
لنحلل:
- يخمن النشال في مرحلة أولى يقظتي وقلقي. فهو يصورني منتبها لحافظتي. لامجال لسرقتي في هذه الحالة. عليه أن يدمر هذه العلاقة هالة روحية - موضوع الصورة، أي حالة جسدي وذهني هاته، هذه الهيئة المادية المنشغلة بنقودي.
- بضربة مرفق في المرحلة الثانية يدمر النشال العلاقة هالة روحية - موضوع الصورة ويخلق علاقة جديدة أنفصل فيها عن يقظتي (الموضوع الأمامي السابق) وأتخذ كموضوع للصورة ذاك الذي يدفعني. وهنا يمكننا تصوير شخص آخر. لقد تغير موضوع الصورة والهالة الروحية... الجيب محرر الآن والنشال يأخذ حافظتي.
يستنتج من هذا المثال:
- أن الهالة الروحية وموضع الصورة يشيران إلى واقع ذاتي يمكنه التنوع والتغير بين لحظة وأخرى والانتقال من المقدمة إلى الخلفية.
- أن الهالة الروحية تعين دائما علاقة بموضوع الصورة هي إما ملائمة أو غير ملائمة. وسيقال عنها بأنها ملائمة عندما تضخم وتعظم موضوع الصورة الموجودة في مقدمة وعيي، وعندما تمنحها شيئا من الاهتزاز والحياة والروح.
-وأخيرا، فإن الهالة الروحية توجد دائما من جهة الجسد واللاوعي، أما موضوع الصورة فيوجد على الدوام من جهة الوعي والجانب العقلي.
يتعلق الأمر بمفهومين أصيلين يصعب الإمساك بهما لأنهما لايترجمان واقعا ماديا فحسب، بل أشكالا لتلقي هذا الواقع ولعلاقاته بالأشخاص. هكذا، يعبر هذان المفهومان عن ذلك النبوغ المختلف للغة وسائل الاتصال، أي الاتصال بين الأشخاص أكثر من التعريف بالواقع في ذاته. إن موضوع الصورة هو ما يريد الجمهور رؤيته وليس دقة الأشياء فقط، فذلك ما يريد هذا الجمهور الإحساس به من أجل متعته واكتماله وليس ما أحس به أنا فقط. لقد وفرت لنا الأخبار إبان حرب الخليج (91 - 1990) تجسيدا مصورا جيدا لهذه العلاقة الصعبة بين الواقع والصحفيين والمتلقين، وهو ما تمثل في إخبار في حده الأدنى (موضوع الصورة) وأقصى انفعال وضجيج صواريخ سكود وخرابات (هالة روحية) مع احتمال تمرير صور ضوئية من المحفوظات (Les archives) وهي تظهر طيرا غارقا في لزاجة تيار قديم وأسود ملوث للأطلسي.
عن أهمية الهالـة الروحيــة
أخرجت الشركة التجارية اليابانية NHK خلال التسعينات سلسلة برامج أسمتها Eye experience (تجربة بصرية). من كان يتصور أنه سيتم شراء منتوجات جد غالية الثمن كهاته لا تقدم أي شئ تماما، لا أخبار ولا رواية ولا تعليم مهارات؟ ما الذي نراه بالفعل في أجهزة الفيديو هاته؟ ماء يتدفق لمدة نصف ساعة، نفس الماء يتدفق ومن نفس المكان، أو أننا نرى شجـرة الكرز المزهرة طوال نصف ساعة وحتى زاوية الرؤية لا تتغير. لقد تم ببساطة اختصار الرؤية الممكنة لشجرة كرز أو لتيار مائي، إذا تمت مشاهدته ليوم كامل، إلى ثلاثين دقيقة والضوء والريح وحدهما يتغيران، فما هي الفكرة المقصودة وراء منتوج كهذا؟ إنها التوفر على خلفية من الطبيعة بالبيت وبين الحيطان الإسمنتية الأربعة وإضافة هالة روحية مغيرة ومؤثرة للبيئة الشخصية وليس لموضوع صورة، إدخال حساسية مستلطفة إلى الجسد. يتعين علينا البحث عن نجاح هذه البـرامـج مـن الناحيـة الحواسيـة ومـن جانب اللاوعي. إنهـا تجـربة تعبـر عن مدى الضجر من الأخبار بمعنى المضمون الفكري، والبحث عن الخبـر بالمعنى الاشتقاقـي لـ in-formation داخل موقع الخبر/الحدث، أي البحث عن رسالة تضع في قلب الشكل en-forme.
فأنا عن طريق الهالة الروحيـة:
- لا أفكر، بل أحس،
- ولا أستدل، بل أكون متأثرا في جسدي،
- ولا أهيمن، بل أكون منبهـرا،
- ولا اشاهد، بل أكون مشاهـدا،
- ولا أناقش، بل ابلغ ما هية الأشياء،
- ولست مبحرا في اتجاه ما، بل أكون موضوعا في مناخ معين.
في عالم وسائل الاتصال، بين الهالة الروحية والوسيط والتفخيم، هناك جسير وإلا فنوع من المعادلة. فالوسيط هـو مجمـوع البنيات التحتية التي تهيؤني، وهو الوسط الذي يؤثر في حواسيـا. التفخيـم هو الاهتزاز الذي يلامس حواسي بالمعنى إلكتروني. أما الهالة الروحية، فهي ما يمثل المظهر المادي والجسدي والحساس للرسالة في صورة ما أو في صوت ما. توجد في المصطلحات الثلاثة المظاهر الكبرى للبيئة وللجسد وللحساسية. فعن طريق الهالة الروحية يتم الإحساس وعن طريق التشخيص يتم التفكير.
لنضف أن الشخص يصل إلى البحث عن الاهتزاز لذاته من كثرة التواجد تحت تأثير التفخيم بواسطة التلفزة والإذاعة والملصقات. وما لم يبذل مجهود ما، فإن القدرة على تحمل خطاب بدون انفعال، وقبول سلعة دون تقديم تتناقص تدريجيا كما لا تقبل صورة بالابيض والأسود. أن تكون الهالة الروحية عبارة عن استعمال لموضوع الصورة فذلك أمر واضح، ولكن هذا الاستعمال هو بالضبط ما يبحث عنه الجمهور، أي هذا المعامل الذي يهـز والذي يحظى بهالة. إن الهالة الروحية ليست تفكيرا، بل هي إغواء. ذلك ما نفهمه عندما نبلغ منتهى هذا المنحدر. فليست التجربة البصرية لليابانيين أو تلك اللوحات الهائلة الموجودة في الأروقة المعاصرة سوى تفخيما خالصا.
الهالات الروحية الأكثر تحديدا
ينبغي على كل من يشتغل في ميدان التربية والتجارة وفي ميدان وسائل الاتصال أن يطرح على نفسه، بالأحرى، السؤال المتعلق بالبيئات والخلفيات التي يقترحها في عمله: ماهي الهالات الروحية الأكثر تاثيرا على الكائن البشري، المناخ أو الضوء؟ الصوت أو الروائح؟ ما هي الكيفية التي تفعل بها فعلها؟ إن الجواب يتوقف على شخصية الأفراد. فالمرأة ليست قابلة للتأثير بنفس الطريقة التي يتأثر بها الرجل، ولا الطفل مثل العجوز، ولا الهادئ مثل العصبي، ولا الآسيوي مثل اللاتيني. ويتوقف الأمر كذلك على طبيعة وسائل الاتصال: ففي السينما تكون الصورة بصفة عامة مؤثرة أكثر من الصوت وباختصار، فهناك ألف عامل يتدخل ليجبرنا على جواب حذر ودقيق. إلا أن التجربة والتفكير يقوداننا إلى بعض المعاينات والمبادئ العامة.
أقول عن طيب خاطر بأن نظام تأثير مختلف الهالات الروحية يوافق، على غرار عناصر المزج، نظام العوامل التي سيرت نمونا الأول ككائنات بشرية. أولا المكان والبنية الفضائية، ثم الإيقاع المرتبط بزمن التنفس، ويأتي الصدى بعد ذلك متمثلا في الصوت، واللحن، والموسيقى، والضجيج، وأخيرا الضوء. أقول عن هذه العوامل أنها ابتدائية بمعنى مؤسسة وتاركة بذلك موضعا ضيقا لمسافة الحرية. إنها لا تغتال العقل، بل تخضعه. إن هذه الهالات الـروحية تستدعي الطاعة عندما تكون قوية. إنها لا تشكلنا فحسب، بل تجعلنا نتلوى بطريقة ما. فبالإمكان القيام برد فعل ضد حيطان سجن ما، ولكن من المستحيل الإفلات من قانونها. إن المخرجين والإعلاميين يعرفون قوانين الهالات الروحية هاته، فهم يستعملونها لأنهم يملكونها حاضرة دائما في أجسادهم وليس لأنهم تعلموها في كتاب. إنه أزيز الحوامات، فوق ملاتفع شديد الحرارة بالفيتنام، الموجود في كيان المخرج فرانسيس فوردكوبولا F.F. Coppola. أزيز نقيض الموسيقى ونقيض للثدي الأمومي، ونحن المتفرجون نلتقط عدوى القلق بواسطة هـذا العنف وتراكم العوامـل الابتدائية هـذا. فلماذا التأثيـر؟ لأن الهالات الروحية أجساد مزروعة بجسدي.
المكــــــــان
لابد من عش في البداية ليتم الوجود، أي لابد من أرضية ومحيط، لابد من أرض - أم تشكل في الآن نفسه أمنا وحماية واتجاها. فالمكان هو الأول في وسائـل الاتصال كما في كل مقاولة. والسؤال : من أكـون؟ يأتي بعد السؤال: أيـن أنا؟ فالحدوث يتم داخل مكان وعن طريقه. إن الأرض، ولنعني بذلك البنية الفضائية، هي تحديدنا الأول. أليس من الأمور الدالة ملاحظة أن مزارع الخمور الكبيرة لا تتوقف بالدرجة الأولى على الكرم بل على التربـة؟ هنا تتخذ كلمة الهالة الروحية معناها الأكثر قوة، فهي التـربة المكونة للوجود. وكثيرة هي العواقب الناتجة عن هذا المقول بالنسبة لرجل الإعلام. هكذا وعلى سبيل المثال لابد مـن:
- التساؤل قبل الإقدام على أي إنتاج، عن مكان عرضه وفي ظل أي شروط. التساؤل قبل إنجاز أي ملصق عن مكان مشاهدته.
- استطلاع الأمكنة قبل إنجاز أي عمل. ولعل رجال التلفزة يعرفون جيدا طقوس استطلاع أمكنة التصوير حيث تطرح أسئلة مثل: أي ضوء؟ أي موضعة للكاميرات وأي استقبال... وهلم جرا؟ وبغض النظر عن هذه الضرورات التقنية، ينبغي على المخرج من جانبه أن ينطبع بالأمكنة انطلاقا من السؤال: أي مناخ؟ ما الموسيقى المنبعثة من هناك؟ أي درجة ضوء ولون؟ أي مشاعـر وأي إيقاع للجسد؟ ذلك لأن المكان هو المناخ. فعلى الشخوص والأحورة أن تنبثق من هذا المناخ تماما كما يخرج الحلزون من الأرض في الأيام الممطرة.
- أن يسبق المنظر الطبيعي والتزيين المكاني والبنية التصميم، حيث أن الانتقال يتم من الحيطان إلى داخل المساحات المغلقة.
- أن يعيـد التقاط الصوت المكبر تشكيـل المكان. يتعلق الأمر بهذا النوع من رجع الصدى الذي يقود تخيـل المستمعيـن بشكل واع إلى مكان محـدد للاستقرار فيه والمتابعة منه. لقد مضى ذلك الزمان الذي كان التقاط صدى الأرغن يتم فيه بلاقطات صوت جد قريبة من الجهاز، وهو أمر غير مقبول بالنسبة لآلات الأرغن الكبيرة. فهي تتطلب فضاء كاتدرائيا حيث تشكل مجموعة الترتيل والقبة وجناح الكنيسة nef والجناح المصالب transest جسد الأرغن، إذ على النفس الذي يمر عبر قنوات الأرغن أن يهتز على الحيطان التي تشكل لحمتـه الداخليـة.
الإيقــــاع
يستحق الصدى انتباهنا مع أنه غير قابل للفصل عن الصورة. فهو يبدو، من بين كل الهالات الروحية، الأكثر إكراها بقوة وفورية. يعبـر الإيقاع عن نمط العيش لارتباطه المباشر بالتنفس وبضربات القلب. فإيقاع مدير أعمال يستيقظ باكرا في الصباح ويمارس رياضة الجري، ثم يركب السيارة ويـرد على التليفون ويقوم بعشر مهمات دفعة واحدة، إيقاعه هذا، لاعلاقة له بإيقاع قسيس تيبيتي يمضي يومه في قمـة جبـل.
ويقدم فيلم ر. ديباردون R. Depardon وعنوانه أسيرة الصحراء La captive du désert مثالا متطرفا عن صدمة الإيقاع: قافلة لا ينتهي مرورها أمامنا في صحراء شاسعة ممتدة خطيا، وعلى الشاشة الكبرى تظهر من جهة اليسار إلى اليمين تصاميم عامة وتصاميم مقربة لغروب الشمس، ثم ليـل فشروق ووقع الخطى الرتيب هذا الذي لا ينتهي مثل مرور أشخاص وجمال. إنه نقيض الفيلم الإليكتروني ونقيض الديسكو، نقيض إيقاع الشارع الذي تركته للتو كي أدخل قاعة السينما، إن هذا البطء يوترني ويحطمني فهل سيطـول ساعتيـن؟ إنـه أمـر غيـر ممكـن! سيـدوم ساعـة و38 دقيقـة! وسأندمج في قانون الصحراء بعد لحظة احتجاج مثل الممثلة ساندرين بونير الأسيرة. مـن غير المجدي محاولة الهرب، إذ أن الشمس والتلال التي لا تنتهي هما الأقوى. ها قد تغير للحظة أسلوب عيشي فلاشئ ينكر بهذا العنف أكثر من تغيـر الإيقاع، ولاشئ يثير بمقدار تسارع ضربات القلب.
الصــــــدى
لقد تم التأكيد دائما على أهمية الصدى الصوتي. وسنلاحظ أنه يلتحق بالهالة الروحية رقم 1 لكونه يحدث المكان ووضعية المستمعين في الخيال. وتتنوع قوة تأثير الصدى حسب أشكاله. فهو من بين العوامل التي بالإمكان تغيير شكلها بشكل أقل عندما يكون عبارة عن صوت وضجيج مركب. بالإمكان يقينا إحداث ضجيج مطر العاصفة اصطناعيا بإسقاط رمال على فتحة، لكن النتيجة تريد نفسها أصيلة الدقة بالنسبة للتفخيم وللإيقاع على المستوى الملموس. أما بالنسبة للصوت فهو يعطي بدون شك أفضل مؤشر على حقيقة الخطاب. يشدد بول إيكمان Paul Ekman على أهمية ذلك في دراسته حول الكاذبين والأكاذيب حيث يقول:
«يقتنع أغلب الناس بأن صدى الصوت يعبر بدقة عن نوع الانفعال المحسوس... ويحاول الكاذبون بصفة عامة مراقبة كلامهم وملامحهم... أكثر من مـراقبة أصواتهم وأجسادهم... مع العلم أن العلامة الصوتية تنقل أكبر قدر من المعلومات حول الانفعال ودرجة ارتفاع الصوت. فنبرة الصوت في 70% من الحالات المدروسة تكون أكثر حدة عندما يكون الشخص ذاهلا... (وخاصة) بسبب الخوف أو الغضب[5].»
الضــــــــوء
رغم ما للضوء من أهمية في حياتنا، فإنه لم يظهر إلا بعد وقت طويل من حدوثنا. فالولادة هي الخروج من البيئة الأولى إلى رؤية الضوء. لقد دخلنا عالم المظاهر مع الضوء. فهل نقول إن الضوء هو الهالة الروحية الاصطناعية أكثر والأكثر سهولة للاستعمال والتزوير لإنتاج التأثيرات؟ لاشك في ذلك. أليس الضوء مرتبطا أيضا، وبشكل حميمي بالتكنولوجيات الإلكترونية والأكثر خضوعا للابتكارات البشرية؟ إنه العامل الأكثر ملاءمة لتحديد الأشياء، لتحديد التفكير واليقظة الجسدية. لقد لوحظ أن عددا من الأشخاص يدخلون نوعا من الانهيار العصبي مع انحدار الشمس في الخريف، انهيار يبلغ أوجه إبان الليالي الشتوية الأطول. وقد أحدثت علاجات بإخضاعهم لحصص إشعاعات ضوئية اصطناعية قوية وبدت النتائج ملفتة للنظر. تظهر تجربة كهذه بشكل جيد الأثر الحاسم الذي يلعبه الضوء في الحالة النفسية.
لقد تم التوقف في التلفزة الجديدة كما في السينما عن العمل في غمرة الضوء المسطح. إن تركيبات الوضوح - القتامة والتباينات والتدرجات الضوئية تقود، وبشكل أفضل، إلى اختلاط التفكيـر والعاطفة وإلى الانتقال من الانهيار إلى الإنجاز.
إذا كان للضوء اليوم هذا الأثر الحاسم، فذلك يعود إلى الإقلاع التكنولوجي الهائل الذي يهز إنتاجه وتطبيقاته. فالإليكترونيك يقلب مسار الضوء مبدع الصور. فكيف يمكن هنا تجنب إثارة التحولات التي ستغير بسرعة شكل التلقي لدينا؟ إن متوسط عدد جزيئات الصورة بالنسبة لصورة كاميرا - فيديو Camescope هو حوالي 400,000 جزيء، وبالنسبة لصورة شريط سينمائي حوالي 6 ملايين. وستقلب تلفزة الدقة العالية H.D إشراق شاشتنا بانتقالها من 525 أو 625 خطا إلى مابين 1050 و1250 خطا ضوئيا. ولن تكون نظريات ماك لوهان Mc Luhan حول الوسيط الحار (العالي الدقة) والوسيط البارد مطروحة حتى للنقاش بقدر ما سينير الضوء صورة الأمـس.
الجســــد
يجب إيلاء تقدير خاص لهذه الهالـة الـروحية المعقدة التي هي الجسد البشري. فهو في آن واحد فضاء وإيقاع، صدى وضوء وشيء إضافي هو الإيماءة والحيوية. يقدم جسد النجوم السينمائية حدا أقصى من التفخيم داعيا الجمهور إلى الاستجابة بشكل شبقي. هناك الوجه وبنيته حيث تكون الجبهة العريضة والأنف الخانس للمخترع غير خافيين. وليس من الغرابة في شيء أن يتم اختيار الممثلين على أساس الصور الضوئية للوجه. ولتبقى تعابير هذا الوجه هي الأكثر تعبيرية عن الروح طبعا. تتحرك عضلات الوجه بطريقة لاإرادية وانعكاسية عند انفعال ما: «إن الوجه مرآة الروح»، ومن ثم أهمية التصاميم المكبرة المشعة بهذا القدر من الجودة على التلفزة أو التي تسحر على شاشة السينما. إن حركات الجسد أقل دلالة، إلا أنها ذات أهمية خاصة مع ذلك: فهي تفلت من صاحبها: إن حركة الـزوم zoom المكبرة على يدين متضايقتيـن تتلويان بعصبية أو على رجلين تهتزان بعصبية حركة لا تنسى.
«إن الجسد منبع جد غني بالانفلاتات والمؤشرات. فعلى عكس تعابيـر الوجه أو النبـرة، لا ترتبط أغلب حركات الجسد مباشرة بالمراكز العصبية للانفعال. ليست السيطرة على الجسد صعبة على وجه العموم. وينبغي أن يكون إخفاء حركاته أكثـر سهولة بكثير من إخفاء التعابير الوجهية أو تغييرات مقام الصوت. لكن الناس لا يتحملون في أغلب الأوقات عناء ذلك[6].»
هناك تدريبات متخصصة تهدف إلى تعليم رجال السياسة كيفية اتخاذ مظهر لهـم أمـام الشاشـة الصغيـرة. فالإبهـام المشير إلى الأمام يعني الاتهام، وذلك أمر سيء. والذراعان المنفتحتـان أفقيا ووجه اليدين متجه إلى أعلى بشكل خفيف يعني التفتح وذلك أمر جيد، إلخ. وهكذا يتبين أن الإيماءات الجيدة هي تلك المتدفقة البطيئة والأفقية، وأن الإيماءات السلبية هي إيماءات القطيعة مع بقية الجسد، أي الإيماءات المتقطعة والحادة السريعة العمودية. هل هذه التحصيلات مفيـدة؟ نعم، وذلك للحث على تغير الكيان والعلاقات. ليست فائدة التعلم في معرفة كيفية الظهور على الشاشة الصغرى أثناء بث مباشر، فمتصنع ذاك الذي سيعيد إنتاج القواعد التي تعلمها. إن الفائـدة في أكثر من ذلك، فمـن طبيعة الجسد التعبير عن الروح التي لا تؤدي إعاقتها المفتعلة إلا إلى حجبها وحجب الرسالة في نفس الوقت بالتالي. لكل طبيعته التي لا تتغير، وإذا ما اكتشف في التدريب أن إيماءاتنا سلبيـة فينبغي مراجعة الشخصية برمتها وليس مجرد الحركات الجسديـة.

هل يمكــن الحديـث عن ثقافـة؟
يطرح في هذا الصدد سؤالان: هل تعتبر الهالة الروحية قيمة إيجابية للثقافة ومظهرا للتفكير ومعطى فـريـدا لاستكمـال الإنسان والمجتمع؟ عـلاوة على ذلك، إذا مـا اعتـرفنا بالهالـة الـروحيـة كقيمة، فكيف نموضعها داخل كلية الثقافة؟ هل يمكن اعتبارها رسالة في ذاتها أو مثل لقيطة صغيرة مهيمن عليها باستمرار من الآلهة موضوع الصـورة وبالتالـي فهـي تابعـة لـها؟
قيمـة الهالـة الروحيــة
يتطلب الجواب عن هذه الأسئلة تدقيقات. فهي تقودنـا إلى قلب النقاش حول ثقافة إعلامية محتملة. من تحصيل الحاصل أن لغة الهالة الروحية لا تستطيع التعبير عن الثقافة كلها وعن التفكير بأجمعه لكن، ألا يمكن قول نفس الشئ عن لغة الكلمات؟ فإذا كانت الأفكار الواضحة مرتبطة بالكلمات - وهنا تكمن قيمتها الفريدة - فإن التفكير لا يمكـن اختزاله إلى هذه الأطـر التي هي الكلمات.
انطلاقا من الثقة المستمدة من تجربة الإبداع السمعية البصرية يمكن التأكيد بأن هناك تمظهـر لحيوية التفكيـر الأصيـل عند الإحساس بوضعية وعندما يكون المرء متفرغا تماما لمنظـر طبيعي أو لمخاطب ما. لكن بأي معنى؟ ليس بمعنى التحليل والاستدلال، ولكن بمعنى أن تلك الوضعية تفكر بداخلنا. إن تفتح الحـواس علـى الواقـع كمـا نطبقه في استطلاع أمكنة التصوير والتقاط الصور وصدى الصـوت هو بكل تأكيد نشاط العقل ونشاط قصدي للإحساس وللقابليـة الفكريـة. ففي هذا النوع من التجويف، من الفراغ ربما، يمكن تجريب أن الوضعية تفكر بداخلنا: صور وأصداء أصوات ونغمات أغنية وذكريات كلمات تطفو من أعماقنا بشكل ما وهي تتمازج، ويمكن أن تؤدي في لحظة إلى جملة ما عارضة بالذهن. سأسمي هذه الجملة بكل غبطة جملة اندفاع التفكير. لا يمكن إرجاع شكل الاندفاع هذا إلى مجرد استعداد للتفكير، بل هو التفكير حيث يمكن للمنتوج النهائي أن يخرج إلى الوجود بفضل نفسه (بفتح الفاء) وتحديداته. ويأتي ظهور الكلمات الدقيقة والجملة التامة والفكرة الواضحة بعد ذلك وبوقت طويل أحيانا. يتعلق الأمر هنا إذن بعبارة أخرى وبشكل آخر من التفكير وليس بكل التفكير.
تتمثل ثمرة ممارسة وسائل الاتصال في اكتساب الوعي بنوع آخر من التفكير واعتماده. تفكير يقف في منتصف الطريق بين الحدس والصورة وبين الحلم والانفعال وبين حركية العقل والإرادة. أليس الأمر كذلك في أغلب الأحيان بالنسبة للتفكير الغرامي؟ وكذلك الأمر بالنسبة للشعوب المسماة فقيرة التي لا تمتلك بعد سلطة الكلمات والبنيات. بينما التفكير المرتبط بالكلمات يقطع ويبنين الواقع، فإن التفكير الرمزي المرتبط بالهالة الروحية يخلق وحدة الموجودات والأشياء. إنه يخرج إلى الوجود التوافقات الكونية والاتجاهات الأساسية في نفس الوقت الذي يحركنا فيه داخل الكون. إن هذا التفكير الذي يتحرك بالارتجاجات وبالومضات والذي يتمدد وينقبض فجأة ليس سوى تفكيرا ضروريا للإبداع كما للروح وللفعل.
مـوضع الهالـة الروحيــة في التفكيـر
هل يكفي التفكير المنبثق عن الهالة الروحية لثقافة إنسانية بشكل كامل؟ سيختزل الإغراء الأدبي الأمر إلى طريق، فتكون الرسالة إذن هي الفكرة الواضحة المعبر عنها بواسطة الكلمات والهالة الروحية وسيلة لتشخيصها وسنرفض تصورا كهذا. إن الرسالة في مسار التلفزة ووسائل الاتصال هي إشعاع شخص ينتج أثرا على المتلقين. وتعبر هذه الرسالة عن نفسها بطريقتين رئيسيتين هما طريقة الهالة الروحية وطريقة موضوع الصورة. طريقتان مستقلتان ذاتيا قادرتان بشكل مستقل عن بعضهما، وفي حدود معينة، على تنمية الكائن البشري، فهما غير تابعتين لبعضهما البعض، إذ لكل منهما قيمتها الذاتية ورسالتها. ومع ذلك فهما غير قابلتين للفصل رغم تميزهما عن بعضهما. التعلق بتفكير مرتبط بالخلفية هو التورط، ومن غاص كثيرا فسيفقد لامحالة مسافة الحكم. وبالمقابل، فإن التعلق بتفكير مرتبط بموضوع الصورة وبالكلمات يعد مجازفة بالتعرض للهزال والادعاء والانعزال خارج الكلية الإنسانية والكونية.
ينطبق الأمر نفسه على الثقافة كما على الدماغ. فلغة المتخيل لا يمكن أن تفصل عن لغة الوعي رغم تميزها وسيرها وفقا لقوانين خاصة. فكلتا اللغتين متكاملتين حيث يستحيل القول بالخلفية دون المقدمـة.
أي ثقافـــــــة؟
ما هي الخصائص الكبرى لثقافة ترتبط بالهالة الروحية بشكل رئيسي؟ إن ذكرها يجعلنا نفكر. فكيف نلاحظ بالفعل في هذا الوصف الخصائص المهيمنة للبلدان المسماة متخلفة وعلامات ثقافة العهـد الجديد New age للتسعينيات في نفس الوقت؟
إنها ثقافة الفعـل والسلوك فيها أكثر أهمية من الكلمات. فالاجتماع والإنجاز أهم هنا من المناقشـة.
إنها ثقافة ذات ذاكرة. فمن المعروف في الممارسة السمعية البصرية أن الهالة الروحية عنصر قار، إذ عندما يوقعنا مشهد شريط في جو الشتاء، وعندما تتسرب برودة الموسيقى والمناظر الطبيعية إلى حواسنا، يلزمنا ردح من الزمن للانتقال إلى الشمس الساطعة لشهر يوليوز. يمكننا القفز من فكرة إلى أخرى، وليس من الممكن فعل ذلك من هالة روحية إلى أخرى. فحواسنا تحتفظ بآثار وانفعالاتنا تحفر أخاديد في جهازنا العصبي. إن الثقافة التي تتغلب فيها الصور والأصوات ثقافة تدوم.
إنها ثقافة منشغلة بالبيئة وبالطبيعة. تمنح الهالة الروحية حساسية بالأشياء وبالأرض. فهي تعظم قيم الانتماء والمشاركة. ومن الأكيد أن تكون الإيكولوجيا هنا واردة، ولكن تهيئة المدن واردة أيضا.
كما أنها ثقافة للحمـل، وبالتالي للصبر والانتظار الموجه نحو واقع سيظهر حتما. وبمقارنتها مع موضوع الصورة، فإن الهالة الروحية تهيؤ وتحث وتلد. إن كل موضوع صورة عظيم يتولد عن هالة روحية عظيمة. إذا وضعنا في ملصق ما الكثير من الصور والنصوص فلاشئ يظهر بعد ذلك. إن مهارة الخطاط تكمن في جعل النص يطفو بين ثنايا فضاء أبيض، وفن السياسة هو جعل الزعيم يخرج من صلب الجماعة. في أعياد الاستقلال بنيودلهي ينتظر مليون من الهنود، وهم محاصرون وراء الحواجز منذ 5 ساعات، ظهور أنديرا غاندي، وفجأة تمر المرأة حوالي الساعة العاشرة واقفة على السيارة وهي ترتدي ساريا ليمونيا ملوحة بيديها للحظات من الظهور، فتساءلت: ماذا سيكون شأن هذه المرأة دون هالتها الروحية المنتظرة وسط الغبار طوال ساعات؟ نقدم للطلبة عادة النصيحة التالية: إذا ما وضعتم في فضاء معطى أشياء كثيرة (نصوص وأشكال، إلخ.) فلاشئ ينبثـق عن ذلك. عليكم أن تؤلفوا بأنفسكم مـوضـوع الصـورة.
إنها ثقافة الإلهـام التي تنمي ماوراءا للمعارف الموضوعية، حيث أن الهالة الروحية تحثنا، عن طريق صمتها، على تلفظ الكلام بأنفسنا وإذا ما تم تهييئنا لها بشكل ملائم، فإنها تقودنا إلى الإنصات لأصواتنا الحميمية الباطنية وإلى غريزتنا الداخلية. وعلى العكس من ذلك، تجازف المعارف الموضوعية بحجب الصور المشوشة والدوافع وحتى الضرورات الروحية التي تشكل الخاصية الذاتية للكائن البشري، وذلك عندما تجذبنا نحو وضوح الأفكار. ففي دفء الشارع والإنصات المنعزل للموسيقى سيجد المخرج بغثة هذا الإلهام المتولد عن تجاذب مفاجئ بين ما يريد قوله وما يشعر به في أعماقه، ولاأحد يمكنه رؤية صورته دون بعض المرايا، ولاأحد باستطاعتـه سمـاع كلامـه دون هالـة روحيـة.
قوانيـن الهالـة الروحيـة
إن تأملا عاما للسياسة وللبيداغوجيا كما للممارسة السمعية البصرية بنفس القدر، يجعلنا نتبين عددا معينا من القوانين التي ترجع إلى تمييز الهالة الروحية وموضوع الصورة. وهاهو ذا بعضها دون نظام ولاادعاء، إنها ستساعد على فهم دور وأهمية الخلفيـة.
قانـون التركيـب
إن كثرة المواضيع تعني انعدام موضوع للصورة. فكثرة التفاصيل الهامة وكثرة المعلومات الأولية في ملصق ما تعني أن لاتفصيل ولاخبر هناك. وعندما تكون في الصورة عدة مواضيع فلاوجود لأي فكر إذ يصبح كل شئ مبهمـا.
قـانــون الانبثـاق
عندما تتم موضعة الهالة الروحية بشكل جيد، فإن موضوع الصورة ينبثق من تلقاء ذاته. فالهالة الروحية والحالة هاته، إغراء ينطـوي على موضوع الصورة بين ثناياه.
قـانون التناغـم
ينبغي أن تتوفر وحدة المعنى والأثر بين الهالة الروحية وموضوع الصـورة.
قـانون الـزمــن
من الممكن المرور بسهولة من موضوع صورة إلى آخر ومن فكرة إلى أخرى. لكن لابد من زمن للمرور من هالة روحية إلى أخرى، من الليل إلى النهار، ومن الشتاء إلى الصيف، ذلك أن الهالة الروحية تؤثر في الجسد. فعلينا احترام إيقاعات الحسـاسيـة.
قانـون الحار والبـارد
كلما كانت الهالة الروحية حارة، أي مكتملة ومشبعة ومحددة بشكل جيد، كلما وجب أن يكون مجموع الهالة الروحية - موضوع الصورة مكتملا. هكذا تكون أقل لطخة على حائط ناصع البياض بادية وبالمقابل، فاللطخة تمر دون ملاحظتها على حائط مغبر ومتسخ.
قانـون الاختـلال
إن التركيب هالة روحية - موضوع الصورة مجموع متناغم ورقيق. يكفي تفصيل أو حادث بسيط لينقلب كل شئ فيه. هكذا يمكن لسقوط قلم أن يقلب بشكل كامل العلاقة هالة روحية - موضوع الصورة خلال درس ينصت فيه الجميع للاستاذ. نفس الشيء يمكن أن يتكرر في لوحة مع تفصيل شـاذ.
قانــون السيـاسة
إذا أردت تغيير وضعية قائمة بشكل جيد فلا تباشر موضوع الصورة، بل الهالة الروحية. لا تقتل الرئيس، بل ازرع القلاقل في المجتمع ولا تستقر في مكان واحـد.
نصــائح للمبتدئيـــن
تحرروا من تكييف تلقياتكم
حاولوا أن تتخلوا عن الذكريات التي تطبع إدراكاتكم. أكرهوا أنفسكم على إدراك الأرض بإحساسات جديدة. يبـدو هذا المجهود أكثر أهمية بمقدار تقدمنا في السن. وبالفعل فإن إدراكاتنا تغشاها الذكريات سنة بعد سنة إلى درجة أنها تصبح كما لو كانت ملفقة وباهتة. ألا نقول تلقائيا: «إن الطقس سيء هذا الصباح، فالمطر يهطل» هكذا ربطنا المطر بإحساس منفر وصفناه بالسئ. حرروا إدراككم للمطر وحاولوا الإحساس بالواقع بالشكل الذي يمارس به التأثير مباشرة عليكم. عادة ما يمارس تخصيب الأفكار Brain Storming [7] داخل المجموعات والمقاولات فمارسوه فيمابينكم. أعيدوا النظر في الطريقة التي تتحسسون بها الاشياء، وذلك برفض تأثرات إحساساتكم وبالإنصات إلى كيفية استشعار الآخرين. ذلك هو شرط استعادة الهالة الروحية لكل قيمتها ضمن الرسالة. وفعلا فإن فقدان الهالة الروحية لبعض من قيمتها يعود إلى تعودنا عليها. إنها جزء من إدراكاتنا الجاهزة ونحن فيها كالسمك داخل الماء. وإذا ما كانت تجارب الانغماس في فضاءات جديدة وقوية مهمة بهذا القدر فلأنها تجدد إدراك الهالة الروحية. عدد من الفنانين فهم هذا الأمر فقلبوا إدراكاتهم بتغيير بلد الإقامة ليلتقوا مجددا بالإلهام عن طريق تنشيط التأثير الحاسم للخلفية.
التحـرر مـن مـاذا؟
في المقاربة العلمية يطرح السؤال: ماهذا؟ أما في المقاربة السمعية البصرية فيطرح السؤال: أي حضور؟ في المقاربة الأدبية يطرح السؤال: ما الكلمة الصحيحة؟ وما الفكرة؟ وما المنطق؟ أما في المقاربة الإعلامية فنسأل أي مأساة؟ وأي مكان؟ أي مناخ؟ وأي صورة؟ لاشيء طبـع إدراكاتنا بهذا الشكـل من العمق أكثر من هذه المقاربات الأدبية والموضوعية وربما العلمية التي لقنت لنا والتي هيمنت على ثقافتنا. ليس المطلوب منا مسح الطاولة بل التحرر فقط، أي الانفلات من أسـر مستلب.
إن الثقافة المسماة ثقافة غتنبرغ Gutenburg هي الأكثر تضادا مع الثقافة الإعلامية، لأنها بالضبط ثقافة متمحورة حول موضوع الصورة. فالأفكار الواضحة والكلمات الصحيحة والتسلسلات هي ما يشغلني كمثقف. ذلك هو ما يحتل مقدمة وعيي وما تعلمت مناقشته. لم يحدثني أحد أبدا بالمدرسة عن تخطيط الحروف ولاعن تركيب الورق. إن المقاربة التجارية شئ آخر تماما، فرجال المقاولات، على غرار رجال الإعلام، يعلمون أن الورق والعرض والأرضية هي على الأقل بنفس درجة أهمية الأفكار الواضحة. لا يتعلق الأمر بالتخلي عن الثقافة الإغريقية اللاتينية، عن هذا الـ Ratio الذي عارضه ميلان كونديرا بالهالة الروحية! بل فقط بفتح وتكميل ووضع برنامج آخر في الآلة. ستكون صيغة فلاسفتنا في هذا الإطار هي الانتقال من الفكرة الواضحة إلى الصور التوضيحية، أما صيغة رجال الإعلام فستكون هي المرور من الهالة الروحية إلى موضوع الصورة، من التعرف على الأمكنة إلى التصوير. فهل من الممكن المجازفة من صيغة إلى أخرى؟
جددوا تكييف إدراكاتكم بواسطة التقنيات الإليكترونيـة
لقد نمطتم بالأمس إدراكاتكم عن طريق الأبجدية الإغريقية وعليكم اليوم تجديد تكييفها بواسطة الممارسة الأكثر حواسية للأجهزة السمعية البصرية. لن تنجزوا إلا الأعمال السيئة مادمتم تنظرون إلى الكاميرا كمجرد وسيلة للتصوير وإلى ملتقط الصوت باعتباره مجرد أداة للالتقاط. ينبغي أن تزرع الكاميرا وملتقط الصوت وطاولة المزج شيئا فشيئا في حواسكم من أجل تحسين جودتها وتفخيم التقاطها. فالثورة الإعلامية هي قبل كل شئ ثورة للإدراكات. ليتم الإمساك عن القول بأن التطعيم الإليكتروني La greffe éléctronique لاإنساني. فبإمكانه على العكس من ذلك تهذيب إدراكاتكم. لقد تعلمت حسن تقديـر التلوينات الزرقاء والصفراء للضوء من كثرة ممارسة التصوير الضوئي، إذ كان الشريط الخام بالفعل يرد في وجهي بقسوة أخطاء تقديراتي. كما تعلمت ضبط إطار الصور لكثرة استعمال الكاميـرا، أي أنني تعلمت أن أختار وأميز. من كثرة استعمال السماعة اللاصقة تعلمت أذناي الإحساس بالفـروق الصوتية الدقيقة التي لم أكن أستطيع ولو تلقيهـا مـن قبـل.
يجـب اعتبـار الوسيط الإليكتروني هنا مثل فرصة متاحة لتجديد فهمنا للهالة الروحية. إن التطعيم الإليكتروني لحواسنا يتوقف علينا نحن في مدى تأهيله لهذه الحواس وعدم تخديره لها. فبإمكاننا توسيع بعد جسمنا والقبض على الواقع بجودة أكثر عن طريق الوعي والتعلم الصحيــح.
امنحـوا الهالة الروحيـة حدا أقصى من الأهميـة
إن تسليم رسالة سمعية بصرية هو إنتاج أثر يمنح معنى لجمهور ما.ركزوا جهودكم على الهالة الروحية أولا من أجل أثر دال. فهي التي تحفز وهي التي تحدد العلاقة بكيفية أفضل وتفتح طريق الفهم وتجعل المشاركة ممكنـة.
إن الدور الخصوصي للعنصر الإنساني ودور المخرج في المجال السمعي البصري يتمثل، على الأجدر، في تنظيم العلاقة هالة روحية - موضوع الصورة بشكل صحيح، إذ التقنية لا تنظم شيئا من تلقاء ذاتها، بل تسطح كل شيء. لنفترض أن هناك مناقشة بين ثمانية أشخاص حول طاولة ولاقط صوت Microphone كلي الاتجاه يتدلى من فوق نحو مركز الطاولة، وعدة أشخاص يتكلمون في نفس الوقت، ومع ذلك، فإن كل واحد منهم يدرك بوضوح كاف ما يقوله مخاطبه بفضل انتقاء يقوم به الدماغ لاشعوريا. بعد الاستماع للشريط تحدث المفاجأة! فبينما كان التفاهم يعم حول الطاولة لاشيء مفهوم الآن. إن التفسير بديهي: لقد أخذ لاقط الصوت باعتباره دماغا بشريا، وقد قام فعلا بعزل الأصوات الحادة عن الأصوات الغليظة طبعا، ولكنه لم يستطع أبـدا القيام بالفعـل الذكي لاختيـار مـا يجب أن يكون في المقدمة أو في الخلفية من بين مجموع المناقشة. معروف ما كان واجب توفره وهو ثمانية لاقطات وطاولة مزج يشغلها متخصص في التقاط الصوت يعمل على منح الامتياز للعناصر التي يراها تستحق الاهتمام بالتتابـع.
إن مهمة رجل وسائل الاتصال واضحة: فهو سيفعل بفنه وبتقنيته ما كان الدماغ يقوم به بتلقائية لأجل فهم الواقع. عليه انتقاء الهالة الروحية وموضوع الصورة. عليه تحديد ما ينبغي وضعه في الأمام وما يجب وضعه في الخلف، ولكنه لن يتوقف عند هذا الحد، إنه سيناور بعناصر الهالة الروحية بطريقة تجعلها تنطق وتجعل موضوع الصورة يخرج منها مرفوعا بفضل التكنولوجيا وإمكانات الوسيط. سيضيف الضوء ويغير البيئة ويجعل التصاميم تتباين كما سيضخم بعض الخطوط بعدسية الزاوية الواسعة objectif grand-angle. فإذا كان المخرج قد قام إذن بعمله بشكل صحيح فسيتلقى الجمهور رسالة مزدوجة: تلك المتعلقة بموضوع الصورة والموجهة إلى ذكائه، وتلك المنتسبة للهالة الروحية والمتوجهة إلى جسده على الأرجـح.
ليس هناك مثال أفضل عن الأهمية الممنوحة للهالة الروحية من الصورة الضوئية لكارش Karch، أحد كبار المصورين الفوتوغرافيين في هذا القرن[8]. لقد كانت الصورة الضوئية لديه تلاعبا عالما بالضوء على الوجه قبل كل شئ، وتوضيح للعناصر الدالة، وإمساكا بالإيماءة - المفتاح. وأخيرا، فقد كانت الصورة الضوئية لديه هي ضبط إطار المكان واكتشاف الوضعية الأكثر إيحاء. سيصور بابلو كاسالـز Pablo Casals جالسا، ورأسه يلمع من الخلف في مواجهة حائط دير رهباني أسود تقريبا. من الأعلى إلى اليمين يتسرب شعاع من الضوء من ثقب نافذة والمعلم يعزف وحيدا ولا يبدو من كمانه الضخم إلا قمته بالكاد. لقد كان بابلو كاسالزر منفيا في مواجهة الآخـرة.
تفتح عقلي ببطء نتيجة لممارسة التفخيم وللانتباه للهالة الروحية. وقد كنت أتكلم بمصطلحي الشكل والمضمون كرجل ثقافة كلاسيكي فكنت أقول لاأهمية للتغليف على أساس أن يكون المضمون جيدا. واليوم، فإن هذين المصطلحين يبدوان لي غير ملائمين باعتباري رجل إعلام؛ فهما لا يترجمان لارسالة ولاواقع الأشياء. ومن الآن فصاعدا فإن مصطلح الهالة الروحية وموضوع الصورة يظهران لي ملائمين. فما سبب ذلك؟ لقد تعلمت عبر الممارسة أن الواقع لا يمكن اختزاله إلى الشئ المادي ولا الرسالة يمكن ترجمتها إلى فكرة واضحة، فالواقع بدوره جسد، والرسالة صلة الوقائع بالجمهـور.
إن التفخيم والهالة الروحية هما المفهومان الأساسيان لفهم اللغة السمعية البصرية.

هوامــش:
تشكل الدراسة الحالية الفصل الثاني من كتاب: بيير بابان: لغة وثقافة إدريس الإعلام، ترجمة: إدريس القري
[1] Sherry Turkle, Les enfants de l'ordinateur, traduit de l'américain par Claire Demange, éd. Denol, 1986, p. 183/188. يكتب المؤلف في الصفحة 10: «سندرس الآلة الناظمة باعتبارها شريك للمرء يقيم معه علاقات عديدة ومتنوعة».
[2] - Milan Kundera, L'immortalité, éd. Gallimard, NRF, 1990, p. 301.
[3] - Idem., p. 285.
[4] - Jean Lacouture, De Gaulle, tome III, Le Souverain, éd. du Seuil, 1986, p. 30.
[5] - Paul Ekman, Menteurs et mensenges, éd. Belfond, Paris, 1985, p. 66, 70, 74.
[6] - Idem., p. 285.
[7] - يعتبر الـ Brain storning تقنية للتفكير الجماعي المنطلق بحرية وتلقائية في المجال السمعي البصري على قاعدة منح الاسبقية لما هو أكثر ملاءمة لتحقيق الهدف الخصوصي للتقنيات هاته وهو تأثر الجسـد. وقد فضلنا اقتراح مقابل التخصيب لأن تقنية التفكير هاته تهدف إلى بلوغ باطن الأفكار الأولى التي غالبا ما تظل واقفة عند مظاهر مواضيعها في البداية بسبب التعود على التجريد والتنظير العقلانيين العائقين لطفو كلية الإدراك والتمثل البشريين للمواقف في حميميتها. (المترجــم).
[8] - أنجز كارش الصور الضوئية لكبار هذا العالم مثل تشارشل، إينشتاين، جان بول الثاني، وصوفيا لورين، إلخ. وقد عرضت هذه الصور الضوئية في كبريات المتاحـف. انظر: Karch, A fifty year retrospective, University of Toronto Press, 1983.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

Merci de nous dire ce que vous en pensez.