jeudi 29 septembre 2011

الحُطيئة والتلفزيون و«فنّاني الضًّحْكة!» عن الأمن الثقافي بالمغرب. إدريس القري


يتبين الآن ومرة أخرى، أن أزمة التلفزيون بالمغرب أزمة هيكلية مردها لمجتمع متأزم من حيث قيم الحياة الجماعية وانغراسها في النسيج الإجتماعي، من خلال منظومة التربية الأسرية ومؤسسة التعليم بشقيه العمومي والخاص والتنشئة الاجتماعية. يرتبط الأمر(بالإضافة إلى التأثير النسبي لمسار العولمة ونشرها القوي للقيم المادية عبر وسائل الاتصال الجماهيرية من تلفزة الأقمار الاصطناعية وشبكة الإنترنت عامة وشبكات التواصل الاجتماعي على وجه الخصوص) بسياسات ارتكبت خطأ جسيما لأكثر من ثلاثة عقود أبعدت فيها أية تنمية ثقافية وفنية عن مخططات العصرنة والتحديث التي التزمت بشكل لصيق بالتنمية المجالية تحت توجيه استراتيجي شكل الهاجس الأمني مركزه القوي والاستراتيجي. هكذا تم حرمان أكثر من جيلين من أية تربية مدنية ذات أسس ذوقية وقيمية إنسانية النزوع وحداثية الأبعاد.
تقضي هذه الأجيال اليوم أيامها، بعدما نشأت في نفس الفضاء الجاف جماليا، في بيوت وأحياء ومدن تفتقر لكل ما له صلة حقيقية بالحياة العصرية المتحضرة: فلا وجود في مجالها للحدائق ولا للقاعات السينما ولا لقاعات المسرح ولا للمكتبات ولا لقاعات المعارض الفنية. فضاءاتهم لا منحوتات تزينها ولا انسجام معماري يبهج شوارعها ولا متاحف تشد زائريها وتصل حاضر شبابها بماضي سابقيهم. أصوات شعرائم وقصاصيهم وسينمائييهم محبوسة في علب وكتب أسيرة منع يطالها في الفضاءات العمومية اللهم من انفلاتات شهرية أو أسبوعية على هذه القناة أو تلك، أو على أعمدة هذه الجريدة أو تلك وبالمناسبات حيث لا أحد غير المبتلين يردون البال لما يحكيه "اللاغون".
هذه الأجيال تحتل اليوم "عنق" المجتمع من حيث ملء فضاء المسؤوليات والتأطير في الجمعيات والأسرة ومؤسسات التعليم والأحزاب وجل المؤسسات العمومية والخاصة ومنها وسائل الإعلام والإنتاج الثقافي والفني ومنها الإذاعات والتلفزيون المغربييان. 
هنا مقالة منقحة، نشرت منذ سنوات، عن التلفزيون المغربي وبرامج رمضان بالتحديد، فما الذي تغير؟


كتبنا لسنوات عن التلفزيون ووظيفته التربوية والتثقيفية والترفيهية والإخبارية بالمغرب، وقد انتهينا دائما من نظرتنا النقدية إلى القول بضرورة المراجعة الجذرية لوظيفة التلفزيون بهذا البلد، حتى يساير حيوية إستراتيجية البناء التحتي متزايدة الإيقاع.
والواقع أن طرحنا المستمر لمعضلة التلفزيون بالمغرب تأسس دائما على اعتباره رافعة لا مندوحة عن مواكبتها للبناء التحديثي الحالي. وقد قمنا بذلك دائما ونحن مقتنعون بأن سلبية هذا التلفزيون، وابتعاده لمدة طويلة عن لعب دور ايجابي إعلاميا وتثقيفيا وتربويا في المجتمع، وخاصة من خلال الترفيه والتسلية وموادها القوية التأثير على الأطفال والشباب العاجزة تربيتهم وتعليمهم عن زرع العقل النقدي

فيهم - قد يحوله إلى «عدو» خطير منخرط في مسلسل تهديمي مضاد لكل ما يمكن أن تبنيه الدولة والأسرة والمدرسة والحزب والنقابة... من قيم للمواطنة، مواطنة لا تستقيم دون قيم الواجب والمؤولية والشجاعة واحترام الحق في الاختلاف والوعي بالانتماء للمجال العمومي، وذلك على الرغم من ضعف آليات اشتغال هذه المؤسسات ووهن تأثيرها على المواطنين، لأسباب منها العمل السلبي للتلفزيون ذاته.
تظل مناسبة شهر رمضان المبارك، من جهة أخرى، الأكثر حساسية بالنسبة للعمل التلفزيوني حيث يظهر على حقيقته، سواء بالنسبة إلى القائمين على تنفيذ وترجمة التوجيهات الإستراتيجية، أو بالنسبة إلى واضعي هذه الإستراتيجيات. وبغض النظر عن هذا الجانب، فإننا نعتقد بأن الأعمال التلفزيونية لرمضان السنوات التي اقترنت بظهور ما يسمى بالسيتكوم بالمغرب (تحدثنا عن هذا الأمر بتحليل مفصل في كتابنا: «صورة المجتمع المغربي في وسائل الإعلام الوطنية»، دار النشر المدارس، يناير 2008.) شكلت إساءة متزايدة للمغاربة، واستفزازا اكتسى طابع التحدي للمشاعر وللأذواق السليمة في حدودها العادية. ونعتقد أن مبرر هذا الرأي القوي يتمثل فيما يلي:


نحن لا نناقش النوايا ولكننا نناقش انعدام الاحترافية من جهة والاتخفاف الذي يتم به التعامل مع الاخفاقات والتجاوزات والرداءة تحت ذريعة تأويل أرقام نسب المتابعة التي تظل قابلة للنقاش من الأساس، علما بأن أزمة المجتمع ومقتضيات بناء المشروع المجتمعي تستدعي بالضرورة (وبالنظر إلى تجارب حتى الدول الحداثية ذاتها التي تجعل من درجة أدنى من الجودة استراتيجية تحميها الدولة دون تردد) تدخلا استراتيجيا للدولة عبر مؤسسات ديموقراطية لها سلطة حماية الثقافة والوطنية والقيم الكونية من أي تهديد يمس التوتزن الحقيقي للمجتمع إلى جانب التوازن الأمني وبتواز معه.
أن التلفزيون المغربي يرسم للناس صورة فظيعة عن رمضان - وعن الصيام بالتالي - باعتباره شهرا صعبا ومُتعِبا، لذا لهم الحق في الاهتمام المبالغ فيه بالأكل ثم الأكل – الإشهار الغزير عددا والرديء فنيا المصاحب للإفطار – والضحك على أي شيء أو لاشيء – اللافن (أو العفن): حيث التفاهة والرداءة بل والوقاحة...وذلك في الوقت الذي نعتقد فيه بأننا أكثر احتياجا للضحك الهادف، المُصحِّح برفق وبنكتة ذكية لآلاف المظاهر والمعتقدات والسلوكات والعقليات والأذواق والتقليعات، المُعرقلة للتحديث والدمقرطة والتأصيل ببلدنا، ولا نستثني من ذلك «تحديث» الحقل الديني ذاته الذي لا يتم له ذلك، كالتعليم، بمجرد توظيف شباب يتحدثون عن وفي الدين «بكياسة» وهم يرتدون ربطة عنق، في الوقت الذي يكرس فيه التلفزيون وأغلبية منشطيه المنظور التقليدي المنغلق للدين من حيث لا يدرون.
أن التلفزيون المغربي يروج بقوة، من خلال أغلبية أعماله المعروضة، خلال شهر رمضان بخاصة، لقيم الثقافة التقليدية المقاومة بفعالية لمسلسل التحديث والعصرنة، ويظهر ذلك جليا في الاستعادة الدائمة للغة الشارع و "السوق"، المقترنة باجترار «ممثلين» فاقدين للموهبة، لأجساد متكلسة الحركات، وللغات ( الدارجة والفصحى براء مما يكتبون وما ينطقون) عقيمة لا تنفصل عن اليومي في أفقر وأبخس أفكاره ومعانيه وتصوراته، مغرورون وواهمون فاقدون لأخلاق التواضع وللحس النقدي الذاتي (لاحظ أن أغلبيتهم الساحقة ترفض النقد بدعوى أنه هدَّام ! يتبادلون المديح بلغة خشبية مقرفة: حلقة تكريم السيدة نجاة اعتابو و "كلام" الخياري الدال على المستوى المتردى... في نغموتاي، وفي نفس الإطار السهرة مع الشابة الداودية "الزينة" وما "ارتكبته" الممثلة السعدية لاديب من كلام ... السهرة حيث كان التنشيط وشهادات "الفنانين" دليلا قاطعاعلى غياب الإبداع كليا: الاطراء المبالغ فيه دو اي تبريز مقنع للابداع أو لقيمته التاريخية أو الجمالية لدى الضيف المكرم ... كذلك الأمر بالنسبة إلى حلقة فطور الأولى مع محمد الجم وأمينة رشيد، ولغة الخشب المقرفة التي سادت التنشيط والأجوبة...) كل ذلك داخل ديكورات وملابس وتزيينات لا جمالية فيها، سوى مجانية توفيرها من الشركات التجارية المختصة دون ذوق أو تخصيص تشخيصي حسب السياق، «مبارك ومسعود» «سير حتى تجي»، «العوني»، "أمي هنية"، وجل ما نراه اليوم في سنة 2014 ولا حاجة على الإطلاق لذكر العناوين إذ هناك قبل أي شيء مسكلة تحديد نوع النتوج الطي يعرض بين السيتموم والمسلسل والسلسلة والفيلم التلفزيوني والسكيتش والكاميرا الخفية ..... والتسيب والهذيان "المحشو" برداءة شكل ومضمون قل نظيرها.
وحتى نلخص الكلام في هذا الموضوع الذي لابد من الاعتراف بأنه يحز في النفس، نذكر بحالة الشاعر العربي الكبير "الحطيئة" وقصته مع خليفة المسلمين عمر بن الخطاب: فقد أدخل الخليفة الشاعر الكبير والموهوب – وهو على الأقل شاعر كبير حقا – الحطيئة للسجن عله يكف عن هجوه القاسي والتحقيري للناس. استطاع الشاعر بعد مدة الحصول على حريته بعد تأثيره على الخليفة بالشعر أيضا، إلا أن الخليفة قرن حرية الشاعر بقبوله شراء الخليفة لأعراض الناس منه، فهلا تفضل أهل الحل والعقد القائمون على السياسة الإعلامية ببلدنا بشراء سلامة أذواق وثقافة وقيم أجيالنا الصاعدة من أشباه الفنانين والفنانات والكتاب والكاتبات، ومن يؤطرهم ويؤشر على أعمالهم فاسحا لها الطريق إلى بيوت الملايين من المغاربة وهم في كامل تجمعهم الأسري، وذلك باقتراح تقاعد مبكر عليهم، أو بتغيير المهنة؟ فاللهم مُستورد يتحدى أجيالنا بجودته، ولا مَحلِّيٌ يحتقر ذكاء المغاربة برداءته.
نعتقد بأن فرض هذه الأعمال علينا يدخل في باب تعذيب الحيوانات الذي تمارسه علينا الدولة، وذلك عندما ترفض التدخل لحماية المواطنين من الميوعة والرداءة وتكريس اختراق ما أسميه ب»أمن» الذوق والأخلاق العامين. 

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

Merci de nous dire ce que vous en pensez.